المركز الوطني للأبحاث واستطلاع الرأي
Image default
دراسات تحليلية

المياه في الشرق الأوسط … من منظور الأمن القومي

مقبلون على أزمة مائية كبيرة

في ظل التحديات الكبيرة , التي تمر بها امتنا العربية والمؤامرة الكبرى التي تديرها أكثر دوائر المال إجراماً ووحشية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وعرب الجنسية المتورطين في هذه المؤامرة ضد العراق وليبيا وسورية وتنفيذ مشروع الربيع العربي في بعض الأقطار العربية، تأتي مؤامرة سرقة والاستحواذ على المياه العربية في القرن الواحد والعشرين جنباً إلى جنباً مع تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي يهدف إلى تقسيم الوطن العربي وتحويل مياه دجلة والفرات والنيل إلى إسرائيل بمساعدة تركيا لكي يعم الجفاف والجوع أراضي سورية والعراق ومصر والسودان وهي جزء من مؤامرة تدمير الزراعة في الوطن العربي .. ومن المعروف أن معظم أراضي الوطن العربي تقع في المناطق الجافة وشبه الجافة،  وقد تأثرت غالبيتها بمجموعة من عوامل التصحر وتدهور الغطاء النباتي وانجراف التربة السطحية وسرعة تجمع مياه الأمطار بشكل سيول جارفة .

كما تشهد هذه الأراضي في السنوات الأخيرة تدهوراً ملحوظاً في مواردها المائية من نواحي الكم والنوع، وذلك نتيجة العديد من العوامل المتداخلة بعضها اجتماعي واقتصادي والبعض الآخر بيئي وطبيعي. وقد ترتب على ذلك وجود فجوة بين ما هو متاح من موارد مائية متناقصة وما هو مطلوب لسد الاحتياجات المتزايدة، ومن المشاهد أن هذه الفجوة تزداد اتساعاً عاماً بعد عام. وقد تنبهت الدول العربية لخطورة هذا الوضع وبدأت منذ سنوات في اتخاذ الخطوات الإيجابية في سبيل وضع استراتيجيات العمل بهدف التعرف على إمكاناتها المائية وتنميتها في ضوء احتياجاتها ومتطلباتها حالياً ومستقبلاً. وقد عملت الدول العربية على تقديم برامج المخططات المائية والتخطيط لمشاريع التنمية لآجال قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى.

لكن نظراً لاستمرارية العوامل والمشاكل والصعوبات التي أدت أصلاً إلى تدهور الوضع المائي، إضافة إلى حقيقة أن حدود الأحواض المائية سواء السطحية أو الجوفية لا ترتبط بالحدود السياسية للأقطار، فقد اتضح جلياً ضرورة العمل المشترك بين الأقطار العربية المتجاورة ذات السمات الهيدرولوجية المتشابهة والأحواض المائية المشتركة، حيث تشكل المياه محور الصراع الاستراتيجي الذي يجب العمل على التصدي لتحدياته بالتعاون الجاد والصادق بين دول المنطقة العربية جميعها من خلال استثمار كافة إمكاناتها البشرية والمادية والطبيعية..

ولأهمية موضوع المياه كان هو الموضوع الرئيسي في مؤتمر لجان التضامن العربية لشعوب آسيا وأفريقيا.

لهذا كان الماء هو العنصر الأساسي في حياة الإنسان والحيوان والنبات، وهو عنصر هام في مجالات التطور الصناعي والسياحي. بسببه تنشأ وتزدهر الحضارات، كما أن نقصانه أو نضوب مصادره يؤدي إلى اضمحلالها، ويحكي التاريخ عن حدوث صراعات واندلاع حروب للاستئثار بموارد الماء العذب والسيطرة على منابعه في أزمنة كانت فيها الاحتياجات محدودة, ويتواجد الماء خلال الدورة “الهيدرولوجية” على هيئة ثلاث صور: هي الحالة الغازية كبخار ماء في الهواء، والحالة السائلة كأمطار وأنهار وبحار ومحيطات وبحيرات وبرك، وفي صور صلبة على هيئة غطاء جليدي في القطبين وجبال ثلجية.

وتمثل المحيطات والبحار المخزون الرئيسي للمياه على سطح الكرة الأرضية حيث تشكل مياهها المالحة حوالي 97.3% من إجمالي كمية المياه. ويتبخر من سطح الكرة الأرضية يومياً ما مقداره 875 كم3/يوم من الماء، يعود منه حوالي 775 كم3/يوم مرة أخرى إلى المحيطات والبحار على هيئة مياه أمطار، أما الباقي (100 كم3/يوم) فتحمله الرياح على هيئة بخار، ويفقد سطح الماء ما مقداره 160 كم3/يوم من الماء على هيئة بخار، ولكنه يستقبل 260 كم3/يوم على هيئة مياه أمطار هي جملة ما فقده، زيادة على ما حملته الرياح من بخار المحيطات، ولكن هذه الزيادة الأخيرة تعود إلى الأنهار والبحار والمحيطات على شكل مياه سطحية أو متسربة من الأرض.

ورغم أن المياه العذبة تشكل 2.7% من كمية المياه على الكرة الأرضية، إلا أنها موزعة كما يلي:

2.08% غطاء جليدي، 6% مياه جوفية، أقل من 0.01% بحيرات وبرك ومستنقعات، أقل من 0.01%بخار ماء وأقل من 0.01% في الأنهار. ويظهر من هذا التوزيع أنه بالرغم من توافر كميات المياه العذبة على سطح الأرض تكفي أضعاف السكان، إلا أنه يصعب الحصول عليها لأسباب تكنولوجية اقتصادية لتواجدها في القطبين أو في باطن الأرض، ولا يبقى سوى النزر اليسير من الموارد المائية المتاحة محلياً في الأنهار والتي تتعرض للاستنزاف السريع نتيجة سوء الإدارة والإهمال حتى تصبح غير صالحة للاستعمال بسبب تدهور نوعيتها.

وعلى ذلك فإن العالم كوحدة واحدة نظرياً يمكن أن يكون خالياً من المشاكل المتعلقة بالمياه، كما أن الموقف المائي على مستوى كل قارة ليس سيئاً مع ترشيد استخدام المياه المتاحة وحسن إدارتها. غير أنه يلاحظ أن مصادر المياه العذبة موزعة على الشعوب والدول بشكل غير متعادل في وقتنا الحاضر.

فبينما تحظى بعض الدول بمعدلات أمطار موزعة بانتظام تزودها بإمدادات كافية من المياه، فإن هناك دولاً أخرى تسقط عليها الأمطار أكثر من احتياجاتها ولكنها ليست بالضرورة في المكان والزمان الملائمين، وتبقى دول أخرى ليس لديها المياه الكافية لمقابلة احتياجاتها الحالية حيث تتعرض مناطق حزام الأراضي القاحلة إلى الجفاف سنوياً، كما أن بعض الدول ليست لديها منابع مائية في أراضيها، لكنها تتلقى مواردها من خارج حدودها تحت ظروف طبيعية وبدون تدخل من البشر.

مع تزايد الأنشطة وتطور التكنولوجيا يتزايد الطلب على المياه، والتي تتناقص مواردها المحدودة بسبب التلوث، لذلك فسوف يشهد المستقبل القريب تدافعاً وتكالباً حول تأكيد احتكار مصادر المياه والسيطرة عليها بمختلف السبل والوسائل، مما قد يؤدي إلى المشاحنات والمنازعات.

بوادر أزمة المياه في الشرق الأوسط

إذا نظرنا إلى منطقة الشرق الأوسط نجد أنها مقبلة على أزمة مائية كبيرة سوف تزداد حدة في المستقبل القريب، مما ينبئ بحدوث صراعات بالغة التعقيد، إلا إذا تحركت الدول المعنية بصورة جماعية لمواجهة هذه الأزمة قبل انفجارها، وتعاونت معاً لتطوير وزيادة الموارد المائية المتاحة، وعملت على عدالة توزيعها فيما بينها بما يعود على الجميع بالنفع والرخاء والرفاهية.

وقد ظهرت في السنوات الأخيرة بوادر وأحداث تشير إلى أن المياه العذبة ستصبح في القرن الحادي والعشرين –الحالي- سلعة إستراتيجية قد تتجاوز في أهميتها النفط، من هذه الأحداث قيام تركيا بحجز مياه الفرات في بحيرة سد أتاتورك ووقف سريان مياه النهر نحو سورية والعراق لمدة شهر كامل خلال كانون الثاني 1990، وتزويد إسرائيل بمياه الفرات ودجلة كما أن بعض الخبراء الإسرائيليين يقومون بإجراء دراسات في أثيوبيا للبحث عن إمكانية إقامة مشروعات على روافد النيل الأزرق.

كما اقترح رئيس جامعة “تل أبيب” الأسبق حاييم بن شاهار في ندوة التعاون الاقتصادي لدول الشرق الأوسط التي عقدت في لوزان عام 1989 أن تقوم مصر بمنح إسرائيل حصة من مياه النيل، وفتح ترعة سينا .

هذه الأحداث الثلاثة مرتبطة ببعضها البعض فيما يمكن أن نسميه الصراع على المياه في الشرق الأوسط، وهو ليس جديداً في المنطقة حيث بدأ خلال العقود القليلة الماضية، وتكفي مراجعة أسباب العدوان الثلاثي على مصر بسبب تمويل مشروع السد العالي وصراع اقتسام مياه نهر الأردن واحتلال جنوب لبنان للحصول على مياه نهر الليطاني.

ومن ناحية أخرى فقد نظم مركز الدراسات الإستراتيجية بجامعة جورج تاون الأمريكية ثلاثة مؤتمرات خلال عامي 2010-2011 شارك فيها مسؤولين من وزارتي الدفاع والخارجية وآخرون من إسرائيل وتركيا وبعض الدول العربية هي مصر والعراق لبحث مشكلة المياه في أحواض أنهار الأردن والفرات ودجلة والنيل وتأثير انخفاض الموارد المائية على البلدان المعنية. وقد أصدر المركز في ختام المؤتمر تقريراً خلص إلى أن منطقة الشرق الأوسط تقف على حافة أزمة موارد مائية حادة يمكن أن تؤدي إلى نزاع قبل نهاية القرن الحالي، وأن ضعف التعاون بين دول المنطقة يزيد من حدة الأزمة.

وفي بحث بعنوان((نقص المياه في الشرق الأوسط)) يقول المدير العام الأسبق لوزارة الزراعة “الإسرائيلية” مائر بن مائير: (أن أزمة المياه في منطقة الشرق الأوسط هي مثل قنبلة موقوتة وإذا لم يكن المسؤولون في هذه المنطقة قادرين على مناقشة مخرج معقول فإن الحرب بين دول المنطقة تصبح مسألة أكيدة وأن “إسرائيل” سوف تواجه أزمة في بداية القرن المقبل لا محالة).

ويقول مناحم كانتور مفوض المياه الأسبق في “إسرائيل”: (سوف تمضي عشرون عاماً حتى تستطيع “إسرائيل” استعمال البدائل غير التقليدية في تحلية المياه، وأن هذه المدة كافية لتجفيف “إسرائيل” حتى الموت).

ومن ناحية أخرى قدمت أميرة حسن تحقيقاً من القدس منذ عامين في الأهرام تحت عنوان “مشكلة المياه في الشرق لأوسط حقيقة أم افتعال إسرائيلي؟!.” ونظراً لأهمية ما جاء في هذا التحقيق من آراء أساتذة جامعيين كبار فإنه قد يكون من المفيد إعادة نشره كاملاً حتى نتبين حقيقة أبعاد مشكلة المياه في “إسرائيل”، إذ يقول التحقيق:

في جامعة تل أبيب عقدت مؤخراً ندوة حول مشكلة نقص المياه في منطقة الشرق الأوسط تحت شعار “النزاع حول المياه وتوزيعها غرب الأردن” وقد أظهرت الندوة وجود خلافات في الرأي بين رجال الاقتصاد في “إسرائيل” وأعضاء الوفد الإسرائيلي في مفاوضات المياه والذين يتخذون من مشكلة نقص المياه وسيلة لاحتفاظ “إسرائيل” بسلطتها على مصادر المياه في الأراضي المحتلة وهضبة الجولان.

وقد ناقشت اللجنة ثلاث دراسات , الأولى للبروفسور نسفى اكشطابين رئيس قسم الاقتصاد في جامعة “تل أبيب” والذي أكد أنه لا يوجد مشكلة مياه في إسرائيل وأنه لا يتفق مع المفاوضين الإسرائيليين بهذا الخصوص , مؤكداً أن محاولة “إسرائيل” التركيز على أنها تعاني من مشكلة مياه هو أمر لا أساس له من الصحة.

وقد قدم رئيس جامعة بن جوريون افيننساى بارقمان ونحميا حسين دراسة ثانية لعرضها على البنك الدولي، أكد فيها أن الزيادة الديموغرافية في منطقة الشرق الأوسط هي المسؤولة عن نقص المياه وأن كوب المياه بواسطة التحلية سيتكلف 75 سنتاً في حين أن الحصول عليه من مصر لن يزيد على 45 إلى 50 سنتاً .

والدراسة الثالثة أعدها طاقم جامعة حيفا تحت إشراف مردخاى شينحطر وتقترح شراء المياه بواسطة “سوق المناقصة” وهو ما سبق أن اقترحه طاقم العمل في جامعة تل أبيب , كما أن الأسعار المطروحة للمياه مشابهة لما قدمه البرفسور اكشطابين في تقريره، وقد اتفق الاقتصادي الإسرائيلي الشهير بنحاس ذولمان مع رأي نسفى اكشطابين في أن ثمن المياه في “إسرائيل” لا يتعدى 200 مليون دولار أي ثمن قيمة المساعدات الأمريكية لإسرائيل وهو ما يوازي 5.3% من الدخل القومي للفرد , وهذا المبلغ لا يستدعي أن تدخل إسرائيل في حرب من أجل المياه ضد أي دولة من دول المنطقة.

وقد اتضح من خلال الدراسات الثلاث التي عرضت خلال الندوة أن إسرائيل لا تعاني من مشكلة مياه بل أن إظهاره بهذه الصورة هو لتعزيز الموقف الإسرائيلي في المفاوضات بلجنة المياه , كما قال عضو الوفد “الإسرائيلي” في المفاوضات البرفسور أورى شاير: “إن إظهار المشكلة الملحة للمياه هو أمر مريح جداً للموقف الإسرائيلي في المفاوضات، وهذا الوضع أيضاً يساعد إسرائيل في موقفها السياسي الذي يهدف للإبقاء على سلطة المياه في الأراضي المحتلة والجولان”.

د.رحيم هادي الشمخي

أكاديمي وكاتب عراقي

Leave a Comment