المركز الوطني للأبحاث واستطلاع الرأي
Image default
الندوات

واقع الفن التشكيلي ومشكلاته

سمر سامي السمارة

الفنون مرآة الحياة النظيفة، هذه المرآة أشبه بالماء العذب كلما كانت ينابيعه عميقة كان نقياً صادقاً، بلادنا الجميلة تدافع عن نفسها فهي الجمال بفضيلة أبدية ذو جلالة، والفن التشكيلي أحد ميادين وتمظهر الجمال واكتشاف أثره، فهو الحاجة النفسية والروحية والأخلاقية ولأهمية الفن لابد من روافع لترويجه وجعله ممكناً ومتاحاً لمن يعيش هذه الحياة، أولى أدوات الدفاع عن الحياة، فهو شريك في الفن والجمال لأنهما ينشدان القيمة.

“واقع الفن التشكيلي ومشكلاته”عنوان ورقة العمل التي قدمها الزميل والفنان التشكيلي أكسم طلاع في الندوة التي أقامها المركز الوطني للأبحاث واستطلاع الرأي،”، ويرى طلاع أن المنتج البصري عريق منذ أن وطئ الإنسان هذه الأرض، فأول أثر بصري كانت دعسة الإنسان على الرمل. عمل غرافيك، عمل حفري، هو هذا الأثر على هذه الأرض،

و أن رسوم الكهوف تعود لـ 20 ألف عام قبل الميلاد، وفي بلادنا كانت هناك رسومات ” فريسك” أي رسوم على الجدار، وأعمال أخرى ذات عمل معماري وطقوس، و تماثيل، إلا أنه بالنسبة للعمل التشكيلي، اللوحة التشكيلية ” لوحة الحامل” التي نراها على إطار مشدود، فإنها منتج أوربي، على الرغم أنه يمكن أن يقول أحدهم أن فن الواسطى، هو عمل الصورة كان يرسم متخيلات مع تسجيل كتاب “بن هشام” لكن كل هذا عمل ذو وظيفة ليس إبداعياً بمعنى لوحة الحامل. وأضاف أن لوحة الحامل غربية قدمت إلى بلادنا نتيجة مزاج عثماني عربي، هكذا يؤرخ الباحثين.

وقد سمح هذا المزاج لوصول أعمال تشكيلية أوربية من ايطاليا ومن أوربا إلى البلاد العربية بحيث كانت هناك مقتنيات شخصية، لشخصيات تخص بشاوات أو ولات، طبعاً مع وجود ظروف صعبة بحيازتها بسبب وجود محرمات بالصورة. ويضيف طلاًع  كان هناك رسامين ويسمون بالفناننين الرواد في سورية  مثل توفيق طارق وهو رسام يرسم باشاوات واغاوات، وسعيد تحسين  وآخرين، بدأ هؤلاء يتلمسون ماذا يعني أن ترسم وتعلق لوحة على الجدار، وفيما بعد أثناء الاحتلال الفرنسي لسورية كان الفرنسيون يمارسون فن الرسم ويقيمون معارض حيث يقدم أهالي دمشق إلى هذه المعارض، فكان أحد الفنانين وهو ميشيل كرشه من الفنانين الرواد السوريين الذي أدخل ما يسمى باللوحة الحديثة. اصبح الفنان السوري يرسم وبدأ تأثير الفن الانطباعي الفرنسي للمنتج الجديد أو الفن الحديث ولم يعد وافداً، وأصبح يتم إنتاجه هنا، ويمكننا أن نلخص السيرة التشكيلية في سورية من مطلع القرن إلى الآن.

وذكر طلاع مراحل هذه الفترة،  أي فترة الرواد، مرحلة الخمسينيات ومن أعلامها محمود جلال وفنان بعثي وهو نعيم اسماعيل، و قال في الستينيات بدأت تهب رياح جديدة وأصبح هناك بعثات لطلبة يدرسون الفن في أوربا مثل فاتح المدرس، وهو من الفنانيين الرياديين والطليعيين في الولوج إلى عالم اللوحة الجديدة بمعنى أصبح مشاغل اللوحة ليست الصورة أي أنه يدخل عوامل التشكيل وعناصره الخط واللون والتكوين بلغة جديدة، أي أن يؤلف هذا العمل مشهدا،ً أن هذه اللوحة هي المشاعر مرسومة، الأمر لا يعني أن ترسم الشيء بواقعيته، لكن أن تذهب إلى أبعد من ذلك، الى المعنى، أو تؤلف معناً جديد.

وأضاف في فترة الستينيات كان هبوب رياح جديدة على المنطقة، فكر جديد يتبع فكر سياسي وفكر ثقافي ايضاً وتفاعل مع القومية، واصبحت الهوية تأخذ دورها في هذا المشهد، وفي السبعينيات كان هناك جيل أنشغل بقضايا فلسطين فظهر فن جديد  فن اسمه فن البوستر وهو فن قديم لكنه لم يكن موجوداً قبل، فن البوستر تقريباً هو أكثر فن جماهيري لأنه يحاكي فكرة معينة، قريب من السياسي ذو غاية، ذو هدف ويحمل من قيمة فكرية مباشرة ومتوفر للجميع، لم تعد لوحة جدار أصبحت لوحة تُلصق في الشارع إذ لها غاية محددة ويعتبر الفنانين السوريين مثل نذير نبعة، عبد القادر أرناؤوط والفنان برهان كركوتلي  من أوائل الفنانين الذين عملوا بهذا الشكل، هم فنانين سوريين مثل

وقال طلاع أن مشاغل اللوحة كان تصور البيئة، وكانت المحافظة على التراث التزينية وأيضاً تجريبية تحاكي تجارب الآخرين ممن كانوا يقدمون فكرتهم عبر هذه المادة،  وكان المشهد التشكيلي السوري غني بكل هذه التفاصيل غني بمواده وتميزه هويته وهي هذه المشاغل الاجتماعية والسياسية والإنسانية والوجدانية  فكان الفنان يرسم عن الشهيد مثل نزير نبعة ومشاغل أخرى مثل الأوابد التاريخية ومخاطبتها.

تطور هذا المشهد وتصاعد وأصبح ذو رسالة هادفة من خلال الوعي السياسي لهذا الكم الثقافي الموجود.

وعن دور الدولة، قال طلاَع  كان هناك نقابة في سورية وأصبح  فيما بعد اتحاد، وفي الثمانينيات أُنشئت وزارة الثقافة مجلة متخصصة بالفن التشكيلي وكانت فصولها تحتوي على فن تشكيلي محلي وفن تشكيلي عالمي وترجمة وموضوعات ذات فن تقني يستفيد منها الفنان، وكانت أنشطة تمظهر اللوحة عبر المعارض، الملتقيات الفنية وورش العمل و المهرجانات الدولية والبيناليات، الا أن الفن السوري يفتقد لذلك،  لدينا بنالي واحد فقط هو بنالي المحبة الذي لم يستمر، للأسف ، كما أنه يوجد أماكن أخرى تحدث فيها مهرجان الفنون التشكيلية وهي عالمية،  لكننا غير متقدمين في هذا المجال، مع أن الكم التشكلي كبير والنوع متميز، لكن هناك مشكلة في الانتشار.

ويرى طلاع أن الإعلام أحد روافد هذا المنتج وقد ساهم في رفعه وتطويره كما ساهم أيضاً في تراجعه، ساهم بتطويره من خلال مجلة الاتحاد  التشكيلية وحالياً بأدوات التواصل الاجتماعي الجديد، حيث أصبح لكل فنان صفحة على الفيس بوك، وأصبح هناك منتديات ثقافية متخصصة ولغة جديدة، لكن ما حصل  أن أدوات هذه الرافعة للإعلام لم تكن مهيئة عند الجميع، بمعنى أن الإعلامي أيضاً هو صاحب رؤية نقدية حتى الابداع، حتى الكتابة، الرواية الشعر وحتى اللوحة أسها نقد وتطرح شيء جديد وتجاوز للواقع والراهن، لا يمكن أن يكون إبداع إذا لم يكن فيه تجاوز. أيضاً الإعلامي حين يتناول هذه المادة يجب أن يكون من موقع أو من رؤية تحمل رؤية نقدية لهذا الكائن، بمعنى أن هناك كمنتج تشكيلي متردي، متدني لا يمكن أن يكون أحد قوائم ثقافة مجتمع قد يكون هدام، ومع ذلك يمكن  أن نتناوله وننشره  ونروج له وهذا دليل جهل عند البعض. بالإضافة إلى عدم توفر المؤسسة، فلا يوجد أدوات تدريب و مشاركة أو معرض،  ورأى أنه يجب أن يكون هناك مصفاة، فالفن ذو قيمة، إذا كان يحمل هذا العمل طاقة وأصالة ويصل بالملتقى إلى ما هو جديد  ومن خلاله تصل قيمة الجمال، يجب أن تكون أعمال هادفة بالإضافة لكونها جميلة. ومييز طلاع  بين الأعمال التي تتوجه نحو التعبئة وأعمال تتوجه نحو الفن،  بمعنى أن ليس كل ما يُنتج ذو تعبئة هو فن وهذا هو مطبنا في السنوات الطويلة، فقد أنتج الكثير من فنانينا الراحلين فن دعائي، لا شك بأنهم وطنيون ولكن فنونهم لا تنافس ولم تحقق حضور في المشهد التشكيلي الدولي، فلا يمكن أن نكون منافسين وخطابنا حضاري مع دول الجوار ومع العالم إذا لم يكن منتجنا ذو قيمة، فلا يعني أن  نرسم عمل معبئ سياسياً ولكن الأداء الفني متواضع، حيث يُعتمد الأداء الفني لأنه يحمل قيمة سياسية فقط تحت هذا الغطاء و يجب أن ننتبه أنه لا يكفي أن يكون الشعار أو الفكرة كافية حتى تمر أي تجربة لذلك الآن أي نشاط تشكيلي بمناخ الحرب عن الشهداء والجرحى نقول عنه ناجح،   في الواقع إنه ناجح بالفكرة ، خيري لكن ليس له قيمة فنية في المعنى المعياري الفني، يمكن  أن يكون ذات قيمة إذ توجهنا نحو الفكرة فقط و لا يمكن أن نقول أن هذا الفن هو أعلى سقف في الفن التشكيلي السوري، فالفن التشكيلي السوري معياره  أعلى وأعمق وأهم من ذلك.

إذاً في الحرب يمكن أن يكون الفن مباشر بلغة الحرب مثلا نلمس غياب اللون “أبيض- أسود” غياب المتعة – ابراز أن العالم مأساوي بشكل كبير وأضاف أن اتحاد الفناننين التشكيليين في سورية عام 2016 أنشئ جمعية النقاد وجمعية الفنانين التشكيلين في سورية وهي تُعنى بتأصيل الفن تشكيلي السوري وحمايته وتطويره والعناية فيه حتى في الكتابات الصحفية و أرشيف ما كُتب توجهت الجمعية لتسمية أحد يعنى بالفن التشكيلي ويكون صديق الجمعية يأخذ عضوية صديق الجمعية ويحضر اجتماعاتها، ويتلمس لائحة دخل الجمعية.

وتسأل د عبد اللطيف عمران مدير دار البعث ورئيس هيئة التحرير في مداخلته

فيما إذا كان تقدم الفنون يتناسق طرداَ مع تقدم المجتمعات وغياب الفنون التشكيلية يدل على حالة من التخلف والانكفاء نحو الظلاميات، فالفنون هي عامل تنوير في المجتمع، و تسأل هل القصور الموجود في الحياة التشكيلية في سورية مرتبط بعدم وجود مطالبة بدور أو عدم وجود إيمان بأن الدور يتم انتزاعه وقال أننا لا نرى أي إشارة عن النقد التشكيلي في مناهجنا خاصة مناهج الإعلام والآداب، وقد يكون غيابه عن الحياة الأكاديمية في الكليات الرديفة وربما غيابه عن كلية الفنون وأن النقابة قد تكون مقصرة، ونلاحظ أن نقابة الفنون التشكيلية مقصرة، لكن الفناننين أنشط من نقابة الفنون التشكيلية.

المشكلة الأخرى التي طرحتها المداخلات أن هناك نظرة للفن تطلب منه أن يكون امتداداً سياسياً وأحيانا مناخ المرحلة ذاته هو الذي يفرض نفسه على الفنان، فنحن في عصر الصورة ومع ذلك اللوحة التشكيلية لا تحضر بشكل فعال والسبب لأنها ليست فوتوغرافية ولا تنقل الواقع كما هو، وأيضاً هي ليست “بوستراً”يخدم غرضاً محدداً، إضافة إلى أنها آنية التأثير، أما اللوحة فتملك فعلاً محدداً وطويل المدى، لكنها لا يمكن أن تقوم بعمل البندقية ولا أن تقوم بفعل القلم فكل له دوره وفاعليته. بينما رأي آخر يرى أنه لا يوجد مجتمع أو فن أو أي عمل إلا وراءه أيديولوجيا ما، بمعنى أن منطق العمل من دون منهجية أو خلفية أيديولوجية غير ممكن، وطُرح تساؤل في الندوة حول دور وزارة الثقافة في خدمة الفنون والثقافة، فهي المسؤولة عن حماية التراث وتسويقه أيضاً، وبالتالي لكي يكون للفن التشكيلي قيمة مضافة يجب أن يكون هناك وسيلة تسويقية له وهي المعرض أو المتحف ويكون في حالة عالية من الجذب لكافة شرائح المجتمع.
ومن التساؤلات الأخرى التي طرحت من يصنع الفن شهرته وعمله أم مؤسسة ما هي التي تشهره؟ ومن وجهات النظر ما رأت أن الأعمال الفنية تحاط بهالة تسويقية يتقنها المقتني وأصحاب الصالات والمروجين لها، مما يشكل حالة من الغربة بين متلقٍ عابر ولوحة على الجدار تفرض عليه أسئلة الشك واليقين عن كون العمل ذو قيمة حقيقة أم لا؟.
وعقبت إحدى المداخلات على بعض الأفكار التي طرحت في الندوة مثل المجلات المتخصصة التي تصدرها وزارة الثقافة تتضمن موضوعات بأقلام نقاد متخصصون في الفن التشكيلي وليس بأقلام صحفيين، إضافة إلى أن الدور الذي يمكن أن يقوم به الإعلام بالنسبة للفن التشكيلي يقتصر على نشر الأخبار المتعلقة به من حيث إقامة المعارض وإجراء بعض الاستطلاعات حولها، أما أن فكرة نشر صورة لمعرض مقام في صالة ما على صفحات التواصل الاجتماعي تغني المتلقي عن زيارة المعرض غير مقنعة، لأنه كما يفترض أن مهمة وسيلة التواصل خدمة المعرض بالترويج لأن يكون له طقسه الخاص الفني والاجتماعي الذي يشجع الناس على زيارة المعرض والاطلاع على اللوحات عن قرب مثله مثل السينما والمسرح.

Related posts

المرأة السورية في الحرب وما بعدها الدور والتحديات

admin

الاختبارات المعيارية الوطنية لخريجي الكليات الطبية وبعض الكليات

admin

الإعلام والإعلام الحزبي

admin

Leave a Comment