المركز الوطني للأبحاث واستطلاع الرأي
Image default
أهم الدراسات دراسات إستراتيجية سلايد

الإعلام و جدلية المفهوم

 

 أ. د. بطرس حلاق

استاذ الإعلام/جامعة دمشق

في زمن أصبح فيه التنافس الإعلامي سيد الموقف، يكون من الحكمة والرشاد الإقرار بالضرورات المهنية والسياسية لتطوير مؤسساتنا الإعلامية،غير أنه من البديهي أن لكل عمل بداية، والتفكير الصحيح هو بداية العمل الناجح.

فكل منّا يلوم وينتقد أداء مؤسساتنا الإعلامية، ولكنْ قليلُ منّا من يقدم خطة علمية وعملية محددة الغايات والأهداف والوسائل لتطوير ذلك الأداء، فالخطة تحتاج إلى تفكير، والتفكير مهارة تعتمد على إعمال العقل، والعقل يتطلب البعد بدرجات ليست بالقليلة عن الهوى والعاطفة، فضلاً عن الأحكام المتسرعة..! و هنا أجدني أتساءل:

  • ألا تعتبر المفاهيم الواضحة هي مفاتيح العلوم على حد تعبير” الخوارزمي ” ؟
  • ألا يشكل تبني مفهوم محدد” للإعلام ” نصف معرفة ونصف ممارسة “؟[1] .

تطمح هذه الورقة البحثية إلى تسليط الضوء على بعض المفاهيم المتداولة للإعلام      والإشكاليات الناشئة عنها، علَنا نصل معاً عبر التفكير والنقاش الجمعي إلى تبني مفهوم واضح للإعلام يمكن أن يكون حجر الزاوية في بناء المشروع الإعلامي الوطني الذي نطمح و نسعى إلى تحقيقه جميعاً.   

مقدمة

يتكون المجتمع من مجموعة من الأنظمة الفرعية المتداخلة، منها النظام الاقتصادي، والنظام الاجتماعي، والنظام السياسي، والنظام التعليمي، والنظام الإعلامي.

هذه الأنظمة بمثابة دوائر متداخلة، تتفاعل مع بعضها البعض، تأثيراً وتأثراً، فالنظام الاقتصادي يتأثر بالنظام الاجتماعي ويؤثر فيه، كذلك فإن النظام الإعلامي يتأثر بباقي النظم الفرعية التي يعمل في إطارها ويؤثر فيها.. وهكذا…

لكن،،، وقبل البحث في المفهوم الذي يناسب النظام الإعلامي الذي نسعى إلى تطويره   لابد لنا من استعراض أهم التحولات الكبرى التي أصابت بيئة الأعلام عموماً،وطبعاً نحن لسنا بعيدين عنها ، خاصة وأننا تعيش في عصر ما اصطلح على تسميته ” عصر الفضاآت المفتوحة.”

التحولات الكبرى في بيئة الإعلام.

التحول الأول: هو انتقال الإنسانية من نموذج المجتمع الصناعي، الذي كانت تقوم وحدة التحليل الخاصة به على «السوق» الذي ينظم نفسه ذاتياً، إلى نموذج “مجتمع المعلومات العالمي” ووحدة التحليل التي يقوم عليها “الفضاء المعلوماتي”. وهذا التحول الكبير هو الذي سيحدد مستقبل الإعلام وخصوصاً بعد ظهور الإعلام الجديد ومستقبل مؤسسات المجتمع المدني، بعد ظهور العولمة باعتبارها الظاهرة الأبرز في العالم المعاصر.

التحول الثاني: هو الانتقال من “نموذج الحداثة” الذي نشأ في رحاب الحضارة الأوروبية، وكان يقوم على أساس الفردية والاعتماد على التكنولوجيا إلى “العولمة”

بأبعادها السياسية والاقتصادية والثقافية، والتي قضت على الحدود والحواجز بين الدول والشعوب والثقافات، بحيث أصبح ما يدور عالمياً يؤثر بالضرورة على الأوضاع المحلية.

التحول الثالث: هو الانتقال من نموذج الأمن القومي التقليدي إلى نموذج الأمن القومي المعلوماتي وظهور ما يسمى حرب الشبكات الفضائية والحروب الفضائية.

التحول الرابع: هو ظهور حضارة عالمية جديدة أبرز سماتها تغير الوعي الكوني، وتبني الشباب في العالم نسقاً جديداً من القيم تختلف عن القيم التي تبنتها الأجيال السابقة.

 

مفاهيم الإعلام والإشكاليات الناتجة عنها

 

إذا كانت المفاهيم في مجال العلوم التطبيقية تتسم غالبا بالثبات والحصر والوضوح، فإن الأمر في العلوم الاجتماعية على خلاف ذلك، فالعلوم الاجتماعية ومنها ” علم الإعلام” يعج بالعديد من المفاهيم التي تتباين وتتعدد أبعادها بحسب المواقع الإيديولوجية والمذاهب السياسية، والاقتصادية والمدارس الفكرية للبيئة التي تعمل من خلالها المشاريع الإعلامية.

وبالطبع لا يختلف اثنان لما لأهمية الإدارة في نجاح أي مشروع إعلامي،لكن اختلاف مفهوم الإعلام الذي يبنى عليه المشروع قد ينعكس على شكل الإدارة لا جوهرها، ومن ثم فأي مشروع إعلامي يحتاج إلى إدارة ناجحة تتواءم مع طبيعة المفهوم المتفق عليه للإعلام. 

المفهوم السياسي للإعلام

تبدو العلاقة بين الإعلام والسياسة وثيقة ومتداخلة إلى حد بعيد، لدرجة لا يمكن أن نعزل فيها العملية السياسية عن الأنشطة الإعلامية اللازمة لقيامها.

و في يومنا هذا ،لا يمكن النظر إلى النظام السياسي بدون نظام إعلامي موازي له أو قائم بصلبه، والواقع أن العلاقة بين طرفي المعادلة هي علاقة ديناميكية بكل المقاييس، تختلف دائرة التأثير بينهما باختلاف الأنظمة السياسية السائدة “فالنظامان، أي الإعلام والسياسة، كلاهما يتأثر بالآخر ويؤثر فيه، وإن كان التأثير الذي يمارسه النظام السياسي على نظام الإعلام في البلدان النامية بشكل خاص، أكبر من تأثير الإعلام على النظام السياسي.

بعض إشكاليات هذا المفهوم

1- وقوع الإعلام تحت تأثير الاستعمال السياسي وسجالاته، حيث عجزت وسائل الإعلام عن الفصل بين مصطلحات سياسية يتم تداولها على لسان الساسة وبين مصطلحات إعلامية محايدة أو صحيحة تستخدمها، وأضحى المتلقي ينظر إلى وسائل الإعلام والنظام السياسي كأنهما وحدة واحدة، فإذا فقد الثقة في أحدهما، انسحب ذلك على الآخر، وإذا شعر بأن أياً منهما يستجيب له امتدت ثقته نحو الآخر، وكأنهما يشكلان جبهة واحدة.

2- وقوع الالتباس في فهم العلاقة بين شخصيتي “الإعلامي”و” السياسي”، -خصوصاً في بيئتنا العربية- وهي العلاقة التي تسمح بتحول الإعلامي إلى سياسي دون دراية كافية بقواعد العمل السياسي، وتحول السياسي إلى إعلامي دون معرفته لقواعد مهنة الإعلام، و بذلك يحدث التشويه في كليهما، دون أن تظهر طبقة سياسية أو إعلامية مميزة تنافس نظيرتها في الدول المتقدمة.

3- من المنطق أن يعتبر “السياسي” هو المصدر بالنسبة “للإعلامي”، لكن حالة الضعف التي تعتري الكثير من السياسيين،أو حتى غيابهم عن الساحة تدفع الكثير من الإعلاميين لملء ذلك الفراغ بحكم ما يمتلكونه من رؤى سياسية أو شبكة علاقات صنعوها خلال عملهم الإعلامي، ويتصور بعض هؤلاء الإعلاميين أن نجوميتهم في الصحف والشاشات كفيلة بتمريرهم شعبيا في الاستحقاقات الانتخابية لكنهم يصدمون من النتائج التي تأتي بأصحاب الخبرات السياسية والتنظيمية القادرين على حشد الناخبين وتعبئتها بطرق مختلفة لا يجيدها الإعلاميون،          أو لا يقدرون عليها رغم معرفتهم بها، وكتابتهم عنها.

 المفهوم الاقتصادي للإعلام

تعد صناعة الإعلام واحدة من أقوى البنيات الصناعية التي عرفها العالم ، ويكمن مصدر قوتها ليس فقط في تلك الأموال الهائلة التي تستثمر فيها ، بل أيضا في هذا التأثير الخطير الذي تقوم به على مستوى الأفراد و الجماعات و الحكومات ناهيك عن التطورات المتلاحقة والتقنيات المعقدة التي تشهدها اليوم والتي تزيد من فاعليتها و شدة تأثيرها.

وتحتل صناعة الإعلام اليوم مكاناً كبيراً في اقتصاديات الدول، وقد برز ذلك من خلال فرص العمل، وحجم رؤوس الأموال، والصناعات المتصلة بمحطات البث الإذاعي والتلفزيوني، وإنتاج ورق الصحف …وقد أطلق عليها، اسم” الصناعة الإبداعية” أو       ” الصناعة الثقافية ، بمعنى تحويل ” الأفكار ” إلى ” منتج إعلامي ” له تأثير كبير في صياغة الفكر الاقتصادي والسياسي حتى الديني و تسويقه إلى العالم اجمع .

بعض إشكاليات هذا المفهوم

1- انحراف الأداء المهني للمؤسسات الإعلامية إلى اتجاه غلبة الفكر الاقتصادي والاستثماري والصناعي على المشروع الإعلامي،حيث ساد منطق الربح والخسارة ، ما أثار مخاوف الكثير من سيادة هذا المفهوم وهذا المنطق على المشروع الإعلامي.

2- لايمكن نكران خصوصية المشروع الإعلامي حتى لو كانت له جوانب اقتصادية، في الوقت نفسه لا يمكن تجاهل الجذور الثقافية والاجتماعية لهذا المشروع وامتداد هذه الجذور إلى كل المؤسسات التي تهتم ببناء البشر في كل النظم.

3- بروز أهمية الربح كبعد اقتصادي له تأثيره الكبير على صناعة الإعلام، حيث لم تعد كلمة الربح في مجال هذه الصناعة ، شأنها في ذلك شأن أي صناعة أخرى ، من الكلمات التي يخجل منها المرء كما كان في الماضي ، بل أصبح ” الأرباح ” هي مقياس الإنتاجية ومقياس مدى تحقيق الإعلام لهدفه ولدوره في المجتمع.

والسؤال الذي يطرح في هذا الجانب:

هل يمكن الجمع والدمج بين الجوانب الاقتصادية للمشروع الإعلامي والمعالم الاجتماعية والثقافية في نفس الوقت في ظل تناقضات النظام العالمي الجديد.

 

المفهوم الثقافي للإعلام

رغم اختلاف مفهوم الثقافة، فإنه يمكن القول إنها ” مجمل ما يقدمه المجتمع لأبنائه من عادات وقيم وأساليب سلوك، وتوجهات وعلاقات وأدوار وتقنيات، كي يتعلموها ويتكيفوا معها”، فهي نمط معيشة للجماعة تم الحفاظ عليها منذ قرون فائتة عبر المشافهة من جيل إلى جيل ، لكن تطور الحياة فرض على وسائل الإعلام أن تقوم بذلك الدور، وهو نشر الثقافة وحفظ التراث .

ولأن الإعلام يجب أن يكون انعكاس للحالة الثقافية التي يعيشها مجتمعه، وجب عليه أن يقوم بالوظائف التي يتوقعها منه الجمهور، وهو ما يعطي المادة المقدمة قيمة حين يلتف حولها الجمهور، من هنا كانت أهمية أن تقوم وسائل الإعلام بتعزيز الأدوار الثقافية عبر إتاحتها للجميع بيسر وسهولة، وهو ما يطلق عليه “ديمقراطية الثقافة”، باعتبارها تمثل لأفراد المجتمع الوسيلة الأيسر للتثقيف وتنمية الفكر،  كما أنها تعد الذاكرة المرئية التي يمكن استدعاؤها كل حين.

بعض إشكاليات هذا المفهوم

1- إن المسؤولية المنوطة بوسائل الإعلام في المجال الثقافي كبيرة، فهي التي تقوم بالدور الأكبر في اختيار المنتج الثقافي وتقديمه للجمهور ، فضلاً عن قدرتها على إلقاء الضوء على قضايا دون غيرها، لكن الواقع الحالي أثبت أنه رغم تعدد وسائل الإعلام أفقيا ورأسيا، فإن دورها الثقافي تراجع مقارنة بما كان عليه الحال قبل عصر السماوات المفتوحة والإعلام الجديد.

2- غلبة الطابع التجاري، الذي يسلّع المادة الإعلامية ويخضعها لآليات السوق، ويتعامل معها بمنطق العرض والطلب الذي أدى إلى غلبة الوظيفة الترفيهية على غيرها من الوظائف، كما أن الحاجة إلى الإعلان كمصدر للتمويل، أدت إلى التغافل عن الدور التثقيفي للوسيلة والجور عليه.

3- نشوء فجوة بين المؤسسات الثقافية والمثقف من ناحية، وبين وسائل الإعلام من ناحية أخرى، فبينما تبتكر وسائل الإعلام عشرات الرسائل الإعلانية، التي تقدم تفصيلات المنتج الاستهلاكي في ثوان معدودة وبشكل جاذب، تعجز عن تسويق المثقف وتقف حائرة أمام تسويق المنتج الثقافي؟

والسؤال الذي يطرح في هذا الجانب:

ما هي إمكانية وجود ” إعلام الدولة ” القادر على إنتاج مادة إعلامية غير ربحية ، وقادر كذلك على تبني مصطلح ” الثقافة الجماهيرية “، عبر التوليف بين ثقافة الصفوة الفكرية والأدبية والفنية ، والثقافة الشعبية التي تصنعها الجماهير لتعبر بها عن نفسها بيسر وسهولة ، مقابل ” إعلام خاص” يتعامل معه البعض باعتباره مشروعاً استثمارياً يهدف من ورائه إلى الربح و الربح فقط،،،. في الوقت الذي ترتفع فيه الأصوات المعلنة أن نهاية الإعلام الحكومي أصبحت أمراً يفرض نفسه في عصر العولمة والمجتمع المعلوماتي والرقمي وعصر الانترنيت. وكأن مشكلة الإعلام تنحصر في بيروقراطية وزارة الإعلام فقط، فهل إلغاء وزارة الإعلام مثلاً سيحل مشكلات الإعلام ؟ ويجعل منه إعلاما فعالا وقوياً، إعلاما قادرا على النقد والاستقصاء وكشف العيوب وإشراك الجمهور في عملية التنمية المستدامة والممارسة السياسية وصناعة القرار ؟

 

و أخيراً…. أختم هذه الورقة بالأسئلة التالية:

1- ما المستقبل الذي نريده لإعلامنا السوري

2- ألم يحن الوقت لتبني المفهوم الذي نريده للإعلام؟ تمهيداَ للانطلاق نحو ممارسة إعلامية صحيحة.

3 هل لدينا الحافز الكافي للقيام بذلك؟

أسئلة لابد من الإجابة عنها بصراحة وشجاعة إذا أردنا للإعلام السوري مكانةً ودوراً في بناء سوريا الجديدة المنتصرة. 

……………………………………………….

1- المعرفة هي مجموعة من المفاهيم يرتبط بعضها ببعض  لتشكل مساراً واضحاً للممارسة الصحيحة.

 

Related posts

الأزمة السورية.. التحديات والفرص– قراءة استراتيجية

admin

رسم إمبراطورية ترامب: الأصول والخصوم..

admin

“ثياب ترامب الجديدة” تعرّيه أمام الملأ

admin

244 comments

Leave a Comment