8 C
Damascus
12/07/2020
المركز الوطني للأبحاث واستطلاع الرأي
Image default
Uncategorized

فرنسا والمسألة الشرقيــــة

ترجمة الدكتور مازن المغربي

العلاقات الدولية

تقرير رقم 3

من إعداد السيد أرمناج أبراهاميان

عضو المجلس الوطني الأرمني

لواء اسكندرون 1934-1939

الوضع السياسي والتنظيم الإداري في اللواء عشية الخلاف السوري- التركي

أسباب الأزمة

تذكير بالأحداث التي رافقت الزمة في كل من لبنان وسوريا وتركيا .

المرحلة الأولى

شغل السيد M. DURIEUX منصب ممثل المندوب السامي في لواء اسكندرون من عام 1936 وحتى شهر حزيران من عام ،1937 وقد ساد في اللواء جو من الاضطرابات نتيجة لحملات الدعاية العربية والتركية، وانتهى الأمر بمنح اللواء وضع كيان متميز ضمن الجمهورية السورية و جرى هذا بموافقة عصبة الأمم .

المرحلة الثانية

في الفترة الممتدة من شهر تموز من عام 1937 حتى شهر حزيران من عام 1938 شغل السيد M. GARREAU منصب ممثل المندوب السامي وتم خلال تلك الفترة محاولة منح هذا الكيان حياة مستقلة لكن فشلت المحاولة تحت تأثير الضغط الشعبي .

المرحلة الثالثة

وتمتد من تموز 1938 وحتى عام 1939 ، كان خلالها الكولونيل COLLET ممثلاً للسلطة الفرنسية حمل خلالها اللواء تسمية ( هاتاي) ، وانتقل بسرعة من حالة تشبه الاستقلال إلى حالة الإلحاق بالجمهورية التركية .

الخلاصة:

يبدو أن الحكومة خشيت من التهديد الألماني عند نهر الراين ولم تجد خياراً سوى استرضاء تركيا ، لكن التناقض الذي وسم الديبلوماسية الفرنسية أدى إلى الإضرار دون جدوى بمصالح أشخاص منحوا فرنسا ثقتهم وأدى الأمر إلى طمس

قضية اللواء لكن دون أن يتم حل الخلاف القانوني بين سوريا وتركيا حول موضوع اللواء .

الوضع السياسي والتنظيم الإداري في اللواء عشية الخلاف السوري التركي:

عشية الخلاف السوري التركي الذي وقع عام 1936، كان لواء اسكندرون الذي تبلغ مساحته قرابة 470.000 هكتار، جزءاً من أراضي الجمهورية السورية الواقعة تحت الانتداب الفرنسي ، وكان اللواء يتمتع بنظام حكم ذاتي على المستويين الإداري والمالي. كما كان اللواء بوصفه جزء من أراضي الجمهورية السورية يساهم في الانتخابات التشريعية، وكان نواب اللواء يحضرون جلسات البرلمان السوري في دمشق بل أنه كان هناك عدد من نواب اللواء ممن كانوا أعضاء في الحكومة السورية مثل وزير الاقتصاد الوطني.

كان الحكم الذاتي للواء محدداً بالاستناد إلى عدة قرارات صادرة عن المندوب السامي الفرنسي في سوريا ولبنان، وكان آخر تلك القرارات القرار رقم 3112 الصادر في 14 أيار 1930 وموقع من قبل السيد Ponsot. كما كان اللواء يشرف على إدارة المصالح العامة ويساهم بما يترتب عليه من تكاليف وبالتالي كان ممثلو اللواء يدافعون عن حقوقه ويناقشون مصالحه.

وإلى جانب تمثيل اللواء في البرلمان السوري، كان هناك مجلس إداري محلي مكلف بوضع الميزانية والتصويت عليها . وكانت سلطة الانتداب في اللواء ممثلة بممثل عن المندوب السامي يقوم بالإشراف عل الإدارة، ويصادق على كل القرارات المتعلقة بالإنفاق .

وكان هناك إلى جانب ممثل المندوب السامي المفوض ثلاثة ضباط من الخدمات الخاصة ـ واحد في اسكندرون والثاني في أنطاكية والثالث في مدينة قرق خان، وكان الضباط الثلاثة يزودون ممثل المندوب السامي بكل المعلومات المتعلقة بالسياسة والأمن وكانت فاعليتهم تختلف تبعاً لشخصية كل فرد لكن وبشكل عام تمكن الثلاثة من نسج علاقات طيبة مع الوجهاء ومع أفراد الشعب الذين كانوا يقصدونهم طلباً للمساعدة في حل مشاكلهم المتنوعة .

كان على رأس الإدارة المحلية متصرف أو محافظ، يسميه رئيس الجمهورية السورية، وكان المتصرف يمارس صلاحيات رئيس الدولة بالتفويض .

قسم لواء اسكندرون إلى ثلاث مناطق يرأس كل منطقة قائمقام يسميه رئيس الدولة السورية ، وكانت كل منطقة مقسمة إلى نواح يرأسها مدير ناحية يسميه متصرف اللواء :

1- منطقة اسكندرون عاش فيها 41.217 مواطن ومقسمة إلى ناحيتي اسكندرون وأرسوز .

2- منطقة أنطاكية: 135.893 ،مواطن وتضم نواحي السويدية ،بيت ياس ( جبل موسى) والعواقية (قرة مورت) وقارصو ( القصير الأدنى )، وباب ترون ( القصير الأوسط،) وقيق –قوي ( القصير الأعلى) وكسب

3- منطقة قرق خان :41.969 مواطن وتضم نواحي قرق خان والريحانية وآك- تيبي، وبيلان .

وكان مقر المتصرفية في مدينة اسكندرون يضم الهيئات الخدمية الرئيسة( المالية ، والاقتصاد ، والزراعة ، والحراج ، والتجارة ، والصناعة و الأشغال العامة ، والتعليم العام ، والنظافة ، والمصلحة البيطرية ، والأمن العام، والدرك والعدالة ).

وكان هناك خبير تقني فرنسي إلى جانب كل واحد من رؤساء تلك المصالح باستثناء مصلحة المالية التي كانت تحت الإدارة المباشرة لممثل المندوب السامي. كان كل رؤساء المصالح المحلية يتعاونون مع التقنيين الفرنسيين بفاعلية مدفوعين باهتمام حقيقي بتحقيق المصلحة العامة وهذا أمر يستحق التقدير.

وكان هناك إلى جانب الشرطة والدرك فوج من الفيلق السوري، وسرية فرسان خفيفة يتبعان للقيادة الفرنسية العليا بهدف حفظ الأمن في اللواء.

على الصعيد العملي كانت سلطة الانتداب تمارس عن طريق ممثل المندوب السامي وثلاث ضباط فرنسيين من الخدمات الخاصة ـ وستة تقنيين يعملون في المصالح المركزية ، وتمكن هذا الشكل من التنظيم من المحافظة على السلم والأمان الكاملين على مدى خمسة عشر عاما الأمر الذي منح اللواء وضعاً قانونياً نظامياً ووضع أسس لإقامة جهاز إدارة عصري .

الأزمة ومسبباتها :

مع بداية الاحتلال الفرنسي (1919) وإقامة سلطة الانتداب، تشكل في لواء اسكندرون مجموعتين من السكان ، مجموعة تتكلم اللغة التركية ومجموعة تتكلم اللغة العربية وكانت النزعتين القوميتين تتعززان مع تعزز تركيا الكمالية في الشمال و تعزز البلدان العربية في الجنوب .

مراجعة للأحداث التي عاصرت الأزمة .

في أوروبا

1933 وصول هتلر إلى السلطة.

1934 الاضطرابات التي شهدتها مدينة باريس في السادس من شهر شباط 1934.

1935 الاستفتاء في منطقة السار وإلحاق الإقليم بألمانيا .

1936 الانتخابات الفرنسية وفوز الجبهة الشعبية .

في سوريا ولبنان

الثاني من شهر كانون الثاني 1934: استقالة شارل دباس رئيس الجمهورية اللبنانية وقيام المندوب السامي بتسمية السيد حبيب السعد رئيساً للجمهورية اللبنانية لمدة سنة واحدة .

14 تموز34 19:وصول أول شحنة من النفط العراقي إلى مرفأ طرابلس عن طريق أنبوب النفط.

2 تشرين الثاني 1934: تعليق البرلمان السوري بقرار من المندوب السامي الفرنسي.

تموز- كانون أول 1935 : توطين 20 ألف آشوري – كلداني عند ضفاف نهر الخابور بعد تهجيرهم من العراق .

كانون الثاني1936 : مظاهرات قومية عربية عنيفة في دمشق وفي مختلف أرجاء سوريا .

20 كانون الثاني 1936 انتخاب إميل إده رئيساً للجمهورية اللبنانية .

2 آذار 1936: اتفاق بين المندوب السامي الفرنسي السيد مارتل والكتلة الوطنية في سوريا، برئاسة هاشم بيك الأتاسي، على إرسال وفد إلى باريس لمناقشة بنود معاهدة فرنسية- سوريا تكون بديلاً عن الانتداب .

الأحداث المعاصرة في منطقة كيليكيا : الجزء الأول

كيليكيا

استمرت الثورة الكمالية ( اجتماعياً وسياسياً وثقافياً ودينياً )، وشهدت المناطق الكردية اضطرابات خطيرة ـ وفي الأول من شهر تموز 1935 أصدرت محكمة أضنة أحكاماً ضد المتمردين الأكراد شملت خمسة وعشرين حكماً بالإعدام وسبعة وخمسين حكماً بالأشغال الشاقة المؤبدة .

استمرت المنافسة العربية التركية في لواء اسكندرون نتيجة لوجود مجموعتين لغويتين هامتين في هذه المنطقة :

أ- مجموعة تتكلم اللغة العربية وتضم 99.163 نسمة ( 1936).

ب- مجموعة اخرى تتكلم التركية وتضم 85.274 نسمة (1936)

يضاف إليهما 28.857 أرمني و 40831 كردي و 954 شركسي .

ونظراً لواقع أن اللغة ،إلى جانب الدين، تمثل الصلة الأقوى التي تربط بين الأفراد والمجموعات الإثنية كان من الطبيعي أن يتجه تعاطف المجموعة العربية تحو البلدان العربية في الجنوب مثل سوريا والعراق وفلسطين ومصر .

لم يشكل لواء اسكندرون في زمن الإمبراطورية العثمانية وحدة إدارية متميزة ، كما لم يكن هناك استخدام لتعبير لواء اسكندرون حيث كانت المنطقة ،التي تدعى الآن لواء اسكندرون، تابعة لولاية حلب ولا يوجد أي ذكر لاندلاع صراع عنيف مع الأتراك في تلك الحقبة . كانت أعين الأتراك متجهة نحو القسطنطينية التي كانت مقصد أبناء النخبة الاجتماعية التي كانت ترسل أبناءها لمتابعة الدراسة العليا هناك، في حين كان المسيحيون الناطقون باللغة العربية ينسجون علاقات دائمة مع دمشق مقر إقامة بطركهم وبالمقابل كان العرب المسلمون مرتبطين بأراضيهم .

كان الأتراك هم سادة البلاد وكانوا يتمتعون بالعديد من المزايا حيث كانت لغتهم هي اللغة الرسمية الوحيدة في المدارس، وكان معظم الموظفين من أصول تركية كما كان معظم كبار الملاكين من الأتراك .

تأقلم العرب بشكل أو بآخر مع الوضع ولم تكن هناك مجابهات عنيفة وكان يحدث أحياناً نوع من التعاون السياسي. فعلى سبيل المثال نذكر أن راعي الأبرشية الأرثوذكسية في أنطاكيا كان عضواً في جمعية الاتحاد والترقي التركية في المدينة خلال الحرب العالمية الأولى 1914-1918.

الجزء الثاني

في كيليكيا

لم تحتفظ ذاكرة الناس في تلك المنطقة بصور عن صراعات دامية قبل حرب 1914-1918 باستثناء ما حدث عام 1901 عندما تم استهداف الأرمن وذبحهم في أنطاكية ، لكن هذا الأمر غير مرتبط بصراع محلي ولا بالتنافس العربي التركي كما أن المجازر التي تعرض لها الأرمن في أضنة سنة 1909 تندرج ضمن إطار عملية تطهير عرقي تعتبر تمهيداً للمجزرة التي امتدت من عام 1915 وحتى 1923.

وشهد عام 1919 نوع من التعاون بين العرب من أنصار الملك فيصل والأتراك الكماليين بهدف عرقلة فرض الانتداب الفرنسي على أنطاكية، لكن هذا الاتحاد لم يتعد السطح حيث بدأ التباعد بين العرب والأتراك منذ عام 1920 حيث شهد هذا العام حرباً أهلية حقيقية بين الأتراك والعرب على أساس طائفي .

قام أتراك منطقة القصير الأعلى بمهاجمة قرية جليلية القريبة من السويدية وقاموا بحرق منزل الشيخ معروف وهو أكبر زعيم عربي في المنطقة . واستمر التباعد بين العرب والأتراك مع تعزز بنيان الدولة السورية في الجنوب والدولة التركية في الشمال .

و في يوم 20 تشرين أول 1921 طرح موضوع لواء اسكندرون لأول مرة ضمن إجراء دولي حيث نصت المادة السابعة من اتفاقية أنغورا Angora على :

إقامة نظام إداري خاص في منطقة اسكندرون وعلى أن يحظى سكان المنطقة من الأتراك بكل التسهيلات لتطوير ثقافتهم ومنحت اللغة التركية صفة لغة رسمية .

وعنى هذا تراجع الحكومة الفرنسية عن حماية سكان كيليكيا من الأرمن وفق ما نصت عليه قرارات الانتداب . وكان هذا النص وملحقاته أساساً للنزاع الذي سيندلع لاحقاً بعد خمسة عشر سنة .

انشغل الأتراك بعد توقيع اتفاقية أنغورا بإجراء إصلاحات داخلية في منطقة الأناضول ( إصلاحات إدارية وعسكرية ودينية وثقافية ) دون تدخل مباشر في القضايا السياسية المتعلقة باللواء، مع المحافظة على علاقات دائمة مع المنطقة .

الأحداث التي عاصرت الأزمة الجزء الثالث

كيليكيا

صارت الصحف التركية مثل Tan Cumhuriyet و Wakit و Son Posta وUlus تدخل بشكل منتظم وتصل إلى العائلات وتربطها روحياً بالعالم التركي وصار الشباب يقرأون بحماس الكتاب الجدد مثل يعقوب قدري ورفيق خالد وناظم حكمت وفاروق نافذ و أدهم عزت وغيرهم . وكان هناك العديد من العائلات مقسمة إلى فرعين ،فرع يعيش في تركيا ويحمل الجنسية التركية وفرع في سورية يحمل الجنسية السورية ، وحافظ الفرعين على العلاقة التي تربطهما ، وكان هناك العديد من الطلاب ممن قصدوا تركيا لمتابعة الدراسة وكانوا بعد نيل الشهادات العلمية يستقرون في الأناضول إما في القطاع الخاص أو في الإدارة الحكومية .

ونجد أنه خلال عام 1936 كان هناك في تركيا العديد من الطلاب من اللواء موزعين وفق التالي :

34 طالب في المعاهد .

طالبان في المدارس الزراعية

طالب واحد في المدرسة البيطرية .

خمسة طلاب في مدارس الطب .

طالبان في مدارس الصيدلة .

ستة طلاب في مدارس الحقوق .

طالبان في مدارس الهندسة و13 طالب في المدارس العسكرية .

وكان من الطبيعي أن تؤدي الإصلاحات الدنية واللغوية والإدارية التي تقوم بتحديث تركيا بمداعبة الشعور بالانتماء العنصري لدى هذه الشبيبة و استثارة حماسها .كما ساهمت الصحافة والإذاعة والأدب الجديد والعلاقات العائلية والمنح الدراسية السخية المقدمة إلى شباب اللواء في تعزيز التعاطف مع تركيا الكمالية بين السكان الناطقين باللغة التركية .

وأخيراً نذكر أن الكثير من كبار الإقطاعيين الأتراك في منطقة العمق عانوا من تدهور بطيء في أوضاعهم نتيجة للإهمال أو للقحط ، وكانت أملاكهم المثقلة بالديون تنتقل إلى العرب الذين كانوا يعملون أجراء لديهم وهكذا انتقل معظم أولئك الإقطاعيين إلى تركيا حيث زرعوا بذرة السخط وأعدوا العدة لقلب نظام الانتداب على أمل أن يقوم نظام جديد يعفيهم من ديونهم ويسمح لهم باستعادة أملاكهم كاملة وبالتالي فإن نزعتهم القومية التي عبروا عنها لاحقاً كانت مرتبطة بالمال .

إن الإصلاحات العلمانية التي طبقها النظام الجديد كادت تحرمه من تعاطف الأجيال المتقدمة في السن والعائلات النافذة، لكن شعور السخط ضد الجمهورية العلمانية في الشمال بين صفوف أشخاص من ذوي العقول الراجحة سرعان ما خمد ولم يعد أحد يرى على الجانب الاخر من الحدود إلا صورة بلد كبير يقوده زعيم عظيم ينجح في كل ما يقدم عليه .

إن شعور الإعجاب بتركيا بين صفوف أتراك اللواء لم يأت دفعة واحدة، فحتى عامي 1921 و1922 لم يشكل الكماليون إلا مجموعة صغيرة أخذت بالنمو مع تبلور وضع النظام الكمالي في تركيا وكذلك مع تطور الشعور القومي العربي بين صفوف الناطقين بالعربية من أبناء اللواء من مسيحيين ومن مسلمين ، ففي حين قام الشبان الناطقون باللغة التركية بمتابعة الصحافة التركية ومتابعة دراستهم في تركيا ومن ثم الاستقرار في منطقة الأناضول بوصفهم موظفين وحملوا شعور تقدير للإصلاحات الكمالية، نجد أن الشبان الناطقين بالعربية كانوا يقرأون صحف بيروت ودمشق ومصر، ويذهبون لمتابعة دراستهم في الجامعة السورية، ويحظون بعمل كموظفين في جهاز الإدارة السورية . ولوحظ لديهم شعور تقدير تجاه الوطنيين السوريين المناضلين في سبيل الاستقلال ، كما عبروا عن تعاطفهم مع الفلسطينيين العرب الذين ناضلوا ضد الصهيونية وهم احتفلوا بحماس بنجاحات كل من مصر والعراق في التقدم نحو الاستقلال

.

إذن تشكلت في وقت واحد كتلتين لغويتين وثقافيتين وقوميتين متعارضتين بدأتا بالاستعداد للنضال والأعين تراقب ميول ممثلي الانتداب الفرنسي لكن عانت كل

 

واحدة من هاتين الكتلتين من انقسامات داخلية عميقة حيث ضمت صفوف أتراك اللواء المجموعات التالية:

أ- أنصار الحكم الذاتي الموالون لسوريا من أنصار إقامة شكل من التعاون مع دمشق .

ب- الكماليون الاندماجيون من أنصار إلحاق اللواء بتركيا .

ت- الكماليون من أنصار منح اللواء استقلال تام.

كان أنصار الحكم الذاتي يمثلون الطرف الأقوى، لكن الكماليون أبعدوهم ببطء وشنوا ضدهم نضال سياسي واجتماعي . في واقع الأمر مثل أنصار الحكم الذاتي الموالون لسوريا العالم المحافظ المكون من كبار الملاك المعتمدين على نفوذ رجال الدين من المذهب السني .لكن الكماليين استخدموا النظريات الديمقراطية والاجتماعية التي أعلنت الجمهورية التركية عن تبنيها في مواجهة أصحاب المال والسلطة وهكذا أخذ الحرفيون وصغار التجار وشباب المدارس يعززون صفوف الكماليين الملتفين حول صحيفة Yeni Gûnالتركية الصادرة في أنطاكية والمتمركزين في مقرات نادي الشباب الرياضي « Genç Spor Klübü »

وعانى الجانب العربي من انقسامات أعمق حيث كان هناك انقسام ديني

أ- المسيحيون العرب من كاثوليك وأرثوذوكس وعددهم 14.105 (1936).

ب- المسلمون من السنة الناطقون باللغة العربية وكان عددهم 22.461 في عام1936

ت- المسلمون العلويون الناطقون بالعربية وعددهم 62.123 في عام 1936 .

وكانت التباينات السياسية تصدع صفوف كل واحدة من هذه المجموعات الثلاث حيث كان البعض يؤيد بقاء الانتداب الفرنسي إلى أجل غير محدد ،وكان هناك من يؤيدون استقلال سوريا المطلق ،وكانوا مرتبطين بالكتلة الوطنية في دمشق كما كان هناك من يرون في استقلال سوريا خطوة أولى على درب بناء إمبراطورية عربية وكانوا مرتبطين بعصبة العمل القومي .

ولم يكن هناك ما يجمع هذه المجموعات سوى تمسكهم بهويتهم العربية في مواجهة تمسك الأتراك بهويتهم التركية.

وشيئاً فشيئاً أخذت عصبة العمل القومي تستقطب شباب المدن الأكثر فعالية في وقت بدأ الكماليون ينجحون في إقصاء أنصار الحكم الذاتي الموالين لسوريا .وكانت المواجهة بين تلك القوى حتمية ولم تكن تنتظر سوى :

1- توفر ذريعة جدية .

2- إضعاف سلطة الانتداب بوصفها عامل توازن.

تذكير بالأحداث التي شهدتها تركيا

كيليكيا

شهر آذار 1934 .

بدأت المناوشات في عام 1934 ، ففي السادس والعشرين من آذار 1934 وبمناسبة مرور والي عينتاب التركي في مدينة انطاكية ، قام الكماليون بتنظيم مظاهرة حاشدة ، كان من الصعب منعها نظراً للعلاقات الودية القائمة بين فرنسا وتركيا وفي ذلك اليوم أو بالأحرى في تلك الليلة، لأن المظاهرة انطلقت مع وصول الوالي التركي في الساعة التاسعة مساء ،كان الكماليون يشعرون بتماسكهم ومصممون على استخدام قوتهم عند أول فرصة وكان إقدامهم يتعزز باستمرار حيث كانوا يحتفلون بكل الأعياد التركية، مثل عيد الزهور، وعيد الجمهورية، وعيد الاستقلال .وكانوا يتزينون بالشعار القومي التركي الأحمر والأبيض أو يضعون شعار على شكل صورة مصطفى كمال باشا .وكانوا يتابعون الخطب الرنانة، ويرسلون برقيات التهاني إلى الشخصيات التركية في أنقرة. وكان بعض المتحمسين منهم يهاجمون جنود الفرقة الثالثة من الجيش السوري المتمركزة في أنطاكيا التي كان معظم أفرادها من الأرمن ومن العرب .

شهر تموز 1936:

خلال إحدى الاشتباكات التي وقعت في السابع من شهر تموز 1936 تقدم المتظاهرون إلى جوار الثكنة وتم رشقها بالحجارة ، وحدثت حالات طعن بالخناجر الأمر الذي تطلب تدخل الجيش لإعادة النظام .

شعر العرب بضعفهم وبضرورة وحدتهم، لكن بدلاً من أن يعتمدوا على أنفسهم ويتحدوا ليعززوا قوتهم ،قاموا باتهام الفرنسيين بالتساهل مع النزعة الاندماجية التركية وقامت صحف دمشق وبيروت بتنظيم حملة عنيفة، لكن باستثناء هذا التحرك الأدبي الطابع ومحاولة تأسيس حلقة عربية فإن العرب لم ينجحوا في

توحيد صفوفهم وهو أمر كان ضرورياً ولم يحدث إلا لاحقاً خلال الفترة الحادة من الأزمة السورية التركية في شهر كانون الثاني 1937.

المرحــــلــــــة الأولــــــى مـــن الأزمة :1936

في الفترة الممتدة من 1936 وحتى شهر حزيران 1937 كان M.DURIEUX ممثلاً للمندوب السامي في اللواء وخلال تلك الفترة أدت الاضطرابات الشعبية المحلية التي تغذت بالحملات الدعائية التركية والعربية التي دعت إلى تحويل لواء اسكندرون، ذا الحكم الذاتي، إلى كيان متميز ضمن الجمهورية السورية وبموافقة من عصبة الأمم.

حزيران 1936:

تعود مؤشرات اشتعال الخلاف إلى شهر حزيران من عام 1936 أي إلى فترة سابقة لتوقيع المعاهدة الفرنسية السورية التي كان من المفترض أن يتم في التاسع من شهر أيلول من عام 1936 . شنت الصحافة التركية حملة ضد بعض موظفي الانتداب من الفرنسيين والسوريين ،مع التمسك بالحديث باحترام عن فرنسا . استهدفت الحملة بشكل خاص مفتش التعليم العام ورئيس مصلحة التعليم العام بالإضافة إلى مدير المالية .

تم اتهام مصلحة التعليم العام بالإضرار بالثقافة التركية من خلال قبولها بإغلاق عدة مدارس في القرى ومن خلال توظيف معلمين في معهد مدينة أنطاكية من ضمن لائحة تضم مائة وخمسين اسماً لأشخاص محرومين من حق الإقامة في اللواء ، وكذلك من خلال حظر بعض الكتب المدرسية التركية ، ومن خلال نشر بعض الإحصائيات التي رجحت كفة العرب على الأتراك ومن خلال استبدال اللغة التركية باللغة الفرنسية لتدريس العلوم في معهد مدينة انطاكية .وتم التهديد علناً بوجود نية لافتتاح مدرسة تركية خالصة خاصة في مدينة انطاكية بهدف إنقاذ الثقافة التركية المهددة .

ومن جهة أخرى تم اتهام مدير المالية بالعمل على إفقار الملاك الأتراك كي يضطروا إلى بيع ممتلكاتهم إلى العرب، كما تم اتهامه بحصر التوظيف في إدارته بأشخاص من العرب المسلمين…إلخ لكن هذه الهجمات اكتست طابعاً فردياً وكانت

تنشر بشكل اساسي في الصحف التركية الصادرة في سورية مثل صحيفة Yeni Gun في أنطاكية وصحيفة Yildiz في بيروت .

أيلول 1936

لم تدخل صحافة تركيا بشكل كامل في الصراع إلا بعد توقيع مشروع الاتفاقية الفرنسية السورية ، وبشكل أكثر تحديداً إلا بعد تصريحات رئيس الوفد السوري السيد هاشم الأتاسي في 23 أيلول 1936 خلال مروره بمدينة أنقرة والتي أشار فيها إلى منح اللواء حكماً ذاتياً ضمن إطار السيادة السورية .

صدرت صحف أنقرة واسطنبول وهي تحمل في صفحاتها الأولى بالخط العريض الإعلان عن رفض تركيا المطلق لهيمنة سوريا العربية على منطقة اسكندرون ” التركية” ،وقالت أن تركيا تنظر بعين الرضا إلى استقلال شقيقتها سوريا وإلى تخلصها من الموظفين الاستعماريين، ولكن على سوريا فهم ضرورة استقلال اللواء وقالت أن فرنسا الليبرالية لن تعجز عن فهم وجهة النظر التركية من خلال تسهيل استقلال اللواء بشكل مماثل لاستقلال لبنان، وقالت الصحف أن العراقيل التي تتسبب بها فرنسا ناجمة عن انخداع وزارة الخارجية الفرنسية بأفعال عملاء الانتداب الذين لا يعدوا أن يكونوا مستعمرين مقنعين .

انكب البعض بحماس على تحليل بنود معاهدة أنغورا ،وجرى التركيز على بعض الرسائل الملحقة بالمعاهدة التي أشارت إلى منح اللواء راية مستوحاة من العلم التركي وكذلك منح تركيا بعض المزايا الاقتصادية في ميناء اسكندرون .

هاجمت الصحافة كل الذين امتلكوا سلطة معنوية قادرة على مواجهة التحرك الشعبي في اللواء مع التركيز على M.DURIEUX ممثل المفوض السامي الذي اتهم بخرق روح معاهدة أنغورا من خلال قيامه بتسمية موظفين من العرب المسلمين في مراكز إدارية هامة وفي مصلحة المالية بدلاً من تعيين موظفين أتراك، كما تم اتهامه بمحاولة التأثير على السياسيين في اللواء بهدف فصل اللواء عن الجمهورية السورية ووضعه تحت إدارة فرنسية مباشرة من خلال تحويله إلى محمية ليصبح حاكماً عليها وتم التركيز على التعارض بين سلوك موظفي الانتداب الفرنسي والتوجيهات ليبرالية الطابع التي لن تتأخر حكومة الجبهة الشعبية في فرنسا في إصدارها .

لم تكن الحملة الصحفية هي التي حددت المعالم لحدوث تمرد لكن بدأت بوادر حدوث تحرك ترتسم في الأفق بسرعة وكان طلاب المدارس وبعض الحرفيين

يعبرون عن مشاعرهم الموالية لتركيا من خلال تزيين ستراتهم بشعار بألوان العلم التركي ،ومن خلال إنشاد الأغاني الوطنية التركية في حين عاشت باقي الفئات في حالة ترقب ، لكن شعور بالقلق تصاعد بين صفوف العرب والأرمن .

تشرين أول 1936

بدأ الناشطون في مجال الدعاية بتغيير نهجهم قرابة منتصف شهر تشرين أول 1936 ونشروا في أنطاكية وفي القرى خبر مفاده أن فرنسا التي التزمت أمام سوريا بالمحافظة على اللواء ،لا يمكنها من الناحية القانونية السماح بإلحاق اللواء بتركيا، لكنها يمكن أن تغض الطرف في حال وضعت أمام الأمر الواقع ، أي في حال قامت تركيا بغزو اللواء بشكل مفاجئ وانتشر حديث عن حشد قوات استعدادً للغزو .

لاقت هذه الأنباء صدى بين صفوف الجمهور ،وبدأ قادة التحرك يؤكدون أنهم سيسجلون أسماء كل الذين يعلنون مواقف غير مؤيدة لتركيا من خلال تمسكهم باعتمار الطربوش بدلاً من القبعة شعار تركيا لجديدة . وانتشرت حالة رعب بين صفوف الناطقين باللغة التركية المعارضين للحركة الكمالية انطلاقاً من مواقف اجتماعية أو دينية ، الذين كانوا يدعمون نواب اللواء من أنصار الحكم الذاتي الموالين لسورية، ونتيجة للخوف من الانتقام المتوقع صار الفلاحون من أصحاب العباءات يعتمرون القبعات حالهم حال الحرفيين من أصحاب القمباز .

وفيما يخص الجماعات الأخرى، عاش المسيحيون المرعوبون في حالة ترقب في حين حاول بعض العرب المسلمين المحافظة على علاقات الود التي تربطهم بجيرانهم في حي Dort-   Ayak في مدينة أنطاكية .

انتظم كل العرب المصممين على مواجهة الاستفزاز التركي وراء عصبة العمل القومي التي سعت للرد على أفعال الأتراك بأفعال مماثلة . كان الأتراك تخلوا عن الطربوش لصالح القبعة في محاولة للتعبير عن موقفهم السياسي ولإظهار اتساع أعدادهم في حين قام العرب من أنصار عصبة العمل القومي بالتخلي عن الطربوش لصالح السيدارة وهي غطاء الرأس الذي يستخدمه جهاز الشرطة في العراق .

تحدث الأتراك عن قوة تركيا الجديدة ورد عليهم العرب بالحديث عن إمبراطورية عربية تمتد من مصر إلى بغداد وقادرة على مجابهة تركيا . وحمل الأتراك رايات بيضاء وحمراء فرد عليهم العرب برايات بيضاء وخضراء. وأخيراً تقرر الرد على كل مظاهرة تركية تنزل الشارع بمظاهرة عربية .

وهكذا أخذ أعداد أنصار عصبة العمل القومي بالتزايد وكانت حلقتهم التي اتخذت مركزاً لها في حي عفان تجمع كل مساء جمهور متحفز ومتحمس .

أما على الجانب التركي فنجد أن مقر نادي الشبيبة الرياضي لم يعد يكفي ولهذا تم تأسيس نادي جديد وفق نمط المؤسسات التركية أطلق عليه اسم ” منزل الشعب ” على أساس أن يكون مركز الحركة المطالبة باستقلال اللواء .

إذن بدأ الجانبان بالاستعداد لخوض الصراع وكان كل طرف ينتظر قيام الطرف الآخر بالخطوة الأولى .

قرر أنصار الاستقلال مقاطعة الانتخابات التشريعية السورية المقررة يومي 14 و15 من شهر تشرين الثاني 1936 بالنسبة لانتخابات المرحلة الأولى، وفي 30 من تشرين الثاني بالنسبة لانتخابات المرحلة الثانية ، نتيجة لوجود قناعة بأن المقاطعة ستمنع تسجيل النسبة المطلوبة لجعل الانتخابات مقبولة قانونياً وبالتالي إفهام سوريا وفرنسا وعصبة الأمم بأن الأتراك يشكلون الكتلة الأكبر في المنطقة وبالتالي سيكون الأمر بمثابة استفتاء سلبي النتيجة بالنسبة لسوريا . لكن كان هذا يتطلب ضبط الحماس لمدة شهر كامل وتقرر أيضاً تنظيم احتفال استثنائي بمناسبة عيد الجمهورية التركية في التاسع والعشرين من شهر تشرين اول .

وفي اليوم المحدد للاحتفال لم تفتح الأسواق التركية في مدينة أنطاكية ولم تقم العائلات بإرسال أولادها إلى المدارس بل أبقتهم في البيوت، وتظاهر تلاميذ المعاهد من الأتراك وهم يتزينون بألوان العلم التركي في حين قاطعت التلميذات الدروس وشاركن في الاجتماعات العامة ،وألقيت خطابات مجدت عظمة تركيا الكمالية .

أدى هذ إلى تأجيج المشاعر بين صفوف العرب الذين سبق لهم أن تظاهروا ضد استبداد الانتداب الفرنسي خلال التحرك القومي العربي في دمشق في شهري كانون الثاني وشباط من عام 1936، وها هم الآن يتهمون سلطة الانتداب بالتساهل والضعف ، وكأنهم لم يدركوا أن مشروع المعاهدة الفرنسية السورية الهادفة إلى إلغاء الانتداب في المستقبل القريب أضعف إلى حد كبير قوة وكلاء الانتداب الذين سينسحبون قريباً . وكانت الصحافة العربية التزمت حتى ذلك الحين بتعليمات الكتلة الوطنية وتبنت موقف متحفظ وحذر فيما يتعلق بقضية اللواء لكنها بدأت الآن بالتحفز .

شهر تشرين الأول 1936

تم إغلاق الصف التكميلي للفتيات في أنطاكية بتاريخ 31 تشرين أول، وكانت كل التلميذات تغيبن عن الدروس يوم 29 من الشهر وكما هو متوقع أدى هذا الإجراء إلى تداعيات مباشرة نظراً لحدوثه في خضم أحداث جعلت الجمهور متوثب تحت تأثير حملة صحفية استمرت على مدى شهرين و تحت تأثير تحريض القائمين على الحملات الدعائية في بيت الشعب .

تشرين الثاني 1936

في يوم الثاني من تشرين الثاني ،أعلن طلاب القسم التركي في معهد الذكور الإضراب احتجاجاً على إعلاق صفوف التلميذات . وجاء رد العرب من أنصار عصبة العمل القومي متحفظاً في البداية ففي السادس من شهر تشرين الثاني قام بعض الشباب العرب بتشغيل أسطوانة النشيد الوطني السوري عند حدود حي Dort-Ayak الذي يقطنه عرب مسلمون المجاور للأحياء التركية وتلا ذلك حدوث اشتباك جرح خلاله أربعة من العرب .

وفي صباح السابع من تشرين الثاني نشبت معركة جديدة في حي عفان بين أنصار سوريا وأنصار تركيا من سكان الحي . وفي العاشر من الشهر ذاته تعرض المدعي العام في محكمة أنطاكية لاعتداء من قبل مهاجمين يرتدون الكاسكيتات ونتج عنه إصابة المدعي العام بجروح خطيرة ، كما شهد هذا اليوم إضراب كل مدارس اللواء الابتدائية الناطقة باللغة التركية .

وفي حين تابع الكماليون عملية إبعاد خصومهم من أنصار الحكم الذاتي الموالين لسوريا، استمر تشرذم صف العرب وكان هناك تعارض اجتماعي خطير بين زعيم عصبة العمل القومي في أنطاكية وبين الشخصيات العربية النافذة في المنطقة .

كان أنصار الرابطة مدفوعين برغبتهم في تحقيق تقدم سريع ،وكانوا ينادون بالنضال ضد مالكي الثروة والسلطة والنفوذ الديني، وكان خصومهم يتهمونهم بالشيوعية. كما كان أنصار الرابطة يقومون أحياناً بمهاجمة الانتداب الفرنسي وينشرون فكرة قيام دولة سورية مستقلة وإنشاء إمبراطورية عربية تعيد أمجاد الأمويين ،وفي هذه الحال كان خصومهم يصفوهم بالفاشيين .وكان هدف أنصار الرابطة تنظيم العرب بغض النظر عن انتمائهم الديني أو الطائفي بغرض تشكيل قوة سياسية .

كان زعيم هذه المنظمة العربية الأستاذ زكي الأرسوزي 1 يسحر الشباب بأسلوبه السلس وخياله الخصب ، وكانت بساطته تجذب عامة الناس كما كانت حالة الفقر التي يعيشها تجذب المزيد من الأنصار وباختصار سرعان ما صار هذا الشاب زعيم الشبيبة العربية في المدن بدون منازع.

ووقف في مواجهة الأرسوزي كل عرب اللواء، من المستفيدين من مزايا الانتداب ومن المترددين في المطالبة باستقلال سوريا ومن الذين أيدوا فكرة استقلال سوريا في اللحظة الأخيرة لكن اعتبروا فكرة قيام إمبراطورية عربية محض وهم وكل أولئك الذين يفضلون التمتع بالملكية الخاصة بدلاً من إقامة مجتمع قائم على الملكية الجماعية .كما وقف ضده أولئك الذين احتلوا وظائف أشعرتهم بالأمان وجعلتهم ينظرون بعين القلق إلى أي انقلاب سياسي واجتماعي، بالإضافة إلى أولئك الذين فضلوا العيش بهدوء في سوريا صغيرة بديلاً عن المجد المحاط بالمخاطر المرتبط بفكرة إقامة إمبراطورية عربية .كان كل هؤلاء متعقلين ولكن خجولين وهذا لم يكن ينطبق على زكي الأرسوزي الذي لم يكمن يعرف التردد.

لكن الانقسامات في صفوف العرب ساعدت إلى حد بعيد القائمين على الدعاية التركية الذين تشجعوا بما جاء في خطاب الرئيس أتاتورك ( الاسم الجديد للزعيم مصطفى كمال )في افتتاح الدورة البرلمانية الجديدة ولم يعد هناك ما يضبطهم . وكان الرئيس صرح أنه يولي مسألة اسكندرون أكبر قدر من الاهتمام وادرك أعضاء بيت الشعب في أنطاكية أن رئيس تركيا يدعم ويساعد حركة استقلال اللواء .

شهر تشرين الثاني 1936

في بداية شهر تشرين الثاني قام السيد مصطفى عبد الخالق رئيس الجمعية الكبرى ( البرلمان) في أنقرة بإرسال برقيات شكر إلى أتراك اللواء الذين احتفلوا بحماس بعيد التاسع والعشرين من تشرين الأول .

لقيت عبارات الرئيس أتاتورك الكثير من التقدير لدى الأتراك، وأدت برقيات التهنئة إلى تأجيج الوضع، ولهذا قررت سلطات الانتداب والسلطات السورية في الثالث عشر من هذا الشهر إبعاد خمسة من قادة التحرك التركي عن اللواء وحظر صحيفة yeni gun التركية التي تصدر في أنطاكية لكن هذه الإجراءات كانت أعجز من أن تتمكن من إيقاف حركة بهذا القدر من العمق .

وفي يوم الرابع عشر من تشرين الثاني ساد جو من التضامن الشديد بين صفوف الأتراك في حين توجه العرب للانتخابات والفوضى تعم صفوفهم . لم تقبل الكتلة الوطنية إدراج اسم زكي الأرسوزي ضمن قائمة مرشحيها وقام الأخير بنصح أنصاره بمقاطعة الانتخابات الأمر الذي جعله يلعب دون أن يدري اللعبة التي خطط لها المحرضون الأتراك في بيت الشعب .

وفي يوم الخامس عشر من تشرين الثاني تم توقيف زكي الأرسوزي بتهمة عرقلة الانتخابات وتلى ذلك قيام مظاهرة كبيرة قام خلالها أنصار الزعيم برشق عناصر الدرك المكلفين بحفظ النظام بالحجارة.

قام الدرك بإطلاق عيارات نارية في الهواء بهدف إخلاء الطرق المؤدية إلى السراي وتلقوا دعم من سرية الفرسان السادسة والعشرين . وفي اليوم ذاته وقرابة الساعة الخامسة مساء واستجابة لضغط الجماهير قامت السلطات المحلية بإطلاق سراح الأرسوزي وسط حماس أنصاره .

بالمقابل ساد نظام كامل في الأحياء التركية في انطاكية حيث كانت مقاطعة الانتخابات كاملة والسلوك مضبوط تماماً .كما قام بعض الناشطين الكماليين باصطحاب بعض السياح وبعض الجانب الفضولين المارين بالمدينة لزيارة مراكز الاقتراع .

وبعد إطلاق سراح زكي الأرسوزي اتهمت الجماعة التركية سلطات الانتداب والسلطة السورية بالانحياز و محاباة العرب الذين تسببوا بأكبر حالة فوضى شهدتها أنطاكية منذ خمسة عشر سنة ، وتبني موقف صارم تجاه الأتراك المحبطين بسبب فشلهم في تحقيق هدفهم حيث حققت الانتخابات نسبة المشاركة المطلوبة . وحتى في ناحية أنطاكية التي اعتقد الأتراك انهم يمثلون أغلبية سكانها وصلت نسبة المشاركة إلى 44.77% من ناخبي الدرجة الأولى 2. وفشلت جهود الكماليين في إقناع المرشحين المواليين لسوريا ،الحاج أفندي أضالي ومصطفى آغا قصيري بسحب ترشحهما وكان الرجلان قررا بعد شيء من التردد الاستمرار في الترشح وكانت حظوظهما بالفوز قوية .

وفي محاولة لتهدئة النفوس وبهدف تفادي اللجوء إلى أسلوب صارم يمكن أن يضر بالمحادثات الفرنسية التركية الخاصة باللواء الدائرة في أنقرة، قررت سلطة الانتداب والسلطة السورية السماح بعودة المحرضين الأتراك الذين تم ابعادهم في

الثالث عشر من شهر تشرين الثاني كما قررتا إعادة فتح الصف التكميلي للإناث الذي أغلق في 31 تشرين أول .

افترض البعض أن هذه الإجراءات ستعيد الهدوء وكان من الوارد أن تعيده لو كانت الاضطرابات مرتبطة بسكان اللواء وحده، لكن الصحافة التركية صعدت من لهجتها وأخذت بالحديث عن اقتراع مزور وتنامى نشاط اللجان التي حملت اسم جمعيات العمل لاستقلال إقليم هاتاي 3 والتي أنشئ لها فرع في مدينة Dortyol الواقعة على بعد خمسة عشر كيلومتر من الحدود.

يعود أصل هذه الجمعية إلى تجمع تشكل في مدينة اسطنبول على يد أشخاص ينحدرون في أصولهم من لواء اسكندرون وكان معظمهم من الطلاب الذين أرادوا تأسيس جمعية للتعاون المتبادل . وفي شهر تشرين الثاني من عام 1936 اتخذت هذه الجمعية اسم جمعية الدفاع عن هاتاي وظن القائمون عليها أنه قد يكون من المناسب الاعتماد على مبررات عنصرية للمطالبة باستقلال اللواء .

ساد اعتقاد بأن إظهار وجود أغلبية ناطقة بالتركية لا يكفي لإقناع العالم وأنه من الجوهري القول بأن المنطقة مسكونة من قبل عرق تركي وبالتالي لا يمكن تركها تحت سيطرة العرق العربي ولجأوا إلى العلماء الأتراك الذين سعوا للبرهنة على

1- أن الحثيين يشكلون فئة من العرق التركي .

2- تطابق معاني مفردات مثل Kithay و Kathay و Hatay مع معنى كلمة حثي .

3- أن الحثيين انتشروا في كامل المنطقة المعروفة اليوم بشمال سوريا وأن شعب اللواء ينحدر من الحثيين أجداد الأتراك وبالتالي لم يعد مستبعد استنتاج أن اللواء تركي الطابع .

لم تتأخر نتائج هذه الحملة بالظهور، ونجد أن أصحاب المحلات أخذوا بتبديل أسماء محلاتهم وهكذا تحول مقهى النجمة Yildiz إلى مقهى نجمة هاتاي Hatay Yildiz وفي حين صار اسم المكتبة الواقعة على جسر انطاكية مكتبة هاتاي Hatay Kitabevi وصار هناك مطاعم هاتاي وكراجات هاتاي إلخ ..

وسرعان ما قامت هذه الجمعية بتأسيس العديد من الفروع في أنقرة في البداية ثم على طول الحدود في أضنة وفي دورت- إييول وفي كلس وفي عينتاب .وكانت هذه

الفروع هي مصدر توزيع التوجيهات إلى بيت الشعب في أنطاكية وإلى المراكز القائمة في منطقة العمق وفي اسكندرون وفي القصير وغيرها.

وخلال الفترة التي فصلت بين الخامس عشر من الشهر والثلاثين منه، تاريخ انتخاب المرحلة الثانية، تصاعد الترويج للدعوة للاستقلال تحت تأثير نشاط جمعية هاتاي وانصبت الهجمات بعنف ضد المرشحين الذين حافظوا على مواقفهم على الرغم من كل ما حدث .

انتشرت أنباء الغزو المحتمل واستقبل بحماس البعض وقلق البعض الاخر تبعاً للانتماء ، وجرى الحديث عن عمليات نقل اسلحة عبر الحدود وانتشرت أنباء تتحدث عن حشد مجموعات من المقاتلين غير النظاميين على بعد ثلاثة كيلومترات من الحدود استعداداً للتدفق على اللواء .

وفي يوم 22 تشرين الثاني قتل فارسان من كتيبة الفرسان الخفيفة في قرق خان خلال مواجهة مع المهربين قرب الحدود التركية في منطقة Gul Punar. أدى توالي هذه الأنباء إلى توتير أعصاب السكان ، ولهذا استقبل المعتدلون بارتياح كبير خبر قرار فرنسا طرح المسألة في عصبة الأمم ، وساد اعتقاد باستبعاد احتمال حدوث تدخل مسلح وبأن الحكومة التركية قررت المضي على درب الحكمة واللجوء إلى التحكيم الدولي. لكن بعض الناشطين المحليين استبقوا الأحداث بالإعلان بأنه في حال قررت عصبة الأمم عدم الاستجابة لرغبات تركيا فإن هذه الأخيرة ستتبع مثال كل من ألمانيا وإيطاليا وتنسحب من المنظمة الدولية لتدافع عن وجهة نظرها بوسائلها الخاصة وكانت الجموع تلتقي يومياً في المقاهي في الساعة الثالثة عشر لمتابعة إذاعة اسطنبول التي كانت تخصص لموضوع لواء اسكندرون كل يوم برامج طويلة.

ساد الخوف بين صفوف أفراد المكونات غير التركية التي صارت تنغلق على نفسها في الليل وتعتمد على قدراتها الذاتية في تنظيم حماية الأحياء التي تقطنها .وفي مدينة انطاكية جاءت مبادرة تنظيم الحراسة الليلية من قبل شباب عصبة العمل القومي الذين أدوا مهمتهم بكثير من الدقة ودون أدنى إشكال .

كان المبعوثون ينطلقون من بيت الشعب في أنطاكية وينتشرون في كل الاتجاهات لإقناع ناخبي الدرجة الثانية بمقاطعة الانتخابات ،وكان التردد منتشر بين صفوف الناخبين الذين تساءلوا عما سيحدث في حال اجتازت القوات التركية الحدود .

ساد نوع من الخوف من مقاطعة ناخبي الدرجة الثانية وبهدف مكافحة محاولات بث الرعب في قلوبهم قررت السلطات نقل ناخبي الدرجة الثانية في الريف

بالشاحنات إلى مدينة أنطاكية ،وتأمين حمايتهم خلال رحلتي الذهاب والإياب بالاعتماد على دوريات الدرك .

وفي الثلاثين من شهر تشرين الثاني تم اتخاذ إجراءات أمنية جدية حيث قامت السرية السادسة والعشرون الخفيفة بالتمركز قرب السراي، مدعمة بثلاث سيارات تحمل مدافع رشاشة، في حين اتخذ اللواء الخامس من الفيلق السوري موقع له في ثكنة المدينة .

شهد النهار تحركات الشاحنات في الاتجاهين لكن الأمور سارت دون مشاكل ومع حلول الظلام عرف أن القائمة الموالية للكتلة الوطنية ( السورية) فازت بالانتخابات وبدا ان كل شيء انتهى بحلول الساعة الثامنة عشر والنصف وبدأت مجموعات من الدرك المتمركزين في مدينة انطاكية بالانسحاب إلى مراكزها الأصلية ، واستعد فرسان السرية السادسة والعشرون للعودة إلى مدينة الريحانية، وكان ضابط المدفعية الذي انتدبته هيئة الأركان العامة في حلب لمتابعة اليوم الانتخابي غادر المنطقة عندما اندلعت الاضطرابات في الساعة العشرين .

تجمع جمهور مكون من تلاميذ المدارس ومن الحرفيين على طريق حلب حول منزل رئيس بلدية أنطاكية وحول منزل حاجي أفندي أضالي النائب الموالي لسوريا الذي أعيد انتخابه .

وأثناء قيام الشبان برمي بيت رئيس البلدية بالحجارة ، تسللت مجموعة من المتظاهرين بين الأشجار المحيطة بمنزل حاجي أضالي وانطلقت عيارات نارية ولم يتم تحديد مصدرها في الظلام . تم الرد من البيتين بطلقات من أسلحة صيد وجرح شرطي وعاني رجال الدرك من صعوبة في تفريق المتظاهرين الذين تجمعوا بعد دقائق حول بيت النائب الثاني المقرب من سوريا السيد مصطفى آغا قصيري قرب جامع حبيب النجار في وسط المدينة . وهنا أيضاً علت أصوات بالتهديد وبالرد على التهديد وتطلب الأمر تدخل الدرك لمساعدة الشرطة بعد أن خرجت الأمور عن نطاق سيطرتها .

وابتداء من صباح اليوم التالي الذي صادف بداية شهر كانون الأول بدأت مجموعات من الغوغاء بالتجمع عند تقاطع شوارع الأحياء التركية ومن ثم اتجه الجميع مجدداً قاصدين بيت مصطفى آغا قصيري، وكما جرى في العشية تم استهداف البيت بطلقات نارية وأصيب علاء الدين قصيري بجرح خطير في جبهته وبدا أن الدرك اعجز من أن يتمكنوا من تفريق الحشود وعندما تم استهداف عربتي المدفع الرشاش المتمركزة قرب المنزل لحمايته صار من الضروري التصرف بعد أن فشلت التهديدات في تحقيق نتيجة وأطلقت أحد العربتين زخة من خمسة طلقات تسببت بمقتل أحد المتظاهرين وإصابة متظاهر آخر بجروح خطيرة توفي على أثرها وسرعان ما تفرق الحشد . لكن كان من الواضح أن الاضطرابات يمكن أن تستأنف في أي لحظة وتأخذ أبعاد أشد خطورة حيث صار من المتوقع حدوث مواجهة بين المتظاهرين الأتراك والمتظاهرين العرب.

بدا أن الدرك والشرطة غير قادرين على ضبط الأمن ضمن هذه الظروف الأمر الذي أجبر ممثل المندوب السامي للقيام ، بعد أخذ موافقة المندوب السامي ، بتكليف الكولونيلMerson قائد منطقة أنطاكية باتخاذ كافة الإجراءات لمنع حدوث مواجهة دموية .

جرى توقيف ثلاثة وعشرين شخص من المحرضين وتمت إحالتهم أمام المحاكم وأدت هذه التدابير التي طبقت بسرعة وحيوية إلى طمأنة الأغلبية العظمى من السكان، بما في ذلك الأتراك منهم، حيث كان الجميع يشعر بأن الهيئات العادية لم تعد تسيطر على الوضع وأن الأمر خرج عن نطاق قدرة قادة الأحزاب على ضبط الأمور لأن الناس لم يعد يصغون إليهم.وكان يوم الأول من كانون الأول شهد محاولة الوجيه التركي عبدالغني تركمان تهدئة الوضع أمام منزل القصيري لكن دون طائل .

شهر كانون الأول 1936

كانت المشاعر متأججة على الجانب التركي من الحدود ويمكن أن نستشف هذا من بعض المقالات التي نشرتها الصحف حيث نقرأ في صحيفة Tan الصادرة في الثالث من الشهر

عناوين مثل إعلان حالة الحصار في لواء اسكندرون وخمسون تركي بين قتيل وجريح .

ومثل مهاجمة الشعب بالحراب والدبابات تفتح النار .

ونقرأ في صحيفة جمهوريت الصادرة في الثالث من ذلك الشهر : بداية مجزرة ضد الأتراك في أنطاكية ، فبعد مكيدة مدبرة تم إطلاق النار على الناس وهناك ثلاث قتلى وخمسين جريح والفرنسيون أعلنوا حالة الحصار وقد جرى التعرض للنساء التركيات .

يجب على فرنسا أن تعي أنه بعد أن سال الدم التركي فإننا لن نترك المجرمين بلا عقاب في حال لم تقم فرنسا بمعاقبتهم. وبعد أن سال دم الأبرياء لم نعد نهتم بالتوجه إلى عصبة الأمم وفق ما سبق أن تم الاتفاق عليه بناء على اقتراح فرنسي.

ونجد في صحيفة جمهوريت الصادرة في الرابع من الشهر : بقدر ما نحب السلام بقدر ما نستمتع باللعب بالسلاح وإن خرجت الأمور عن نطاق السيطرة فسيكون من المستحيل وقف تتالي الأحداث بالخطب والنصائح .

كما نقرأ في صحيفة Hemseri الصادرة في السابع من الشهر : الجنود الفرنسيون يهاجمون أتراك اللواء بمدافعهم ودباباتهم . الدماء سالت بغزارة في أنطاكية حيث قتل ثلاثة اشخاص وجرح خمسون ولم يصغ احد للشكاوى . لجأ الناس إلى الجبال وتبين لنا أننا أخطأنا في اعتبار الفرنسيين أصدقاءنا ،وفي حال استمر نزيف الدم التركي في اللواء وفي حال عدم تطبيق العقاب الفوري ضد المجرمين فإن الشعب مستعد للرد على هذه الجريمة البشعة بالشكل المناسب .

لكن على الرغم من هذه الحملة الصحفية الشرسة سرعان ما هدأ سكان اللواء وكان هناك انطباع بأن القوى التي تمتلكها سلطات الانتداب ( كتيبة درك سورية ، وسرية من الرماة الجزائريين ، وسريتين خفيفتين وبطارية مدعية جبلية ) كافية لضمان النظام والأمن في كامل أراضي اللواء .

انتشرت شائعة حول احتمال حدوث تدخل تركي مسلح وكانت القوات المتمركزة في اللواء غير قادرة على مجابهة مثل هذا الخطر المستبعد ديبلوماسياً لكن الوارد عسكرياً .

ترك توتر الصحافة التركية والفزع من التدخل التركي أثره على السكان لكن عمليات التوقيف التي جرت والانضباط الصارم الذي فرضه الجيش في الشارع سرعان ما أدت إلى تهدئة المتمردين، وفي تمام الساعة العاشرة من صباح الثامن من شهر كانون الأول استأنفت القطعات العسكرية عملها المعتد وتركت مهمة ضبط النظام .

استمر الديبلوماسيون الأتراك بمتابعة الأحداث عن كثب وجاء كل من القنصل العام التركي في بيروت و قنصل تركيا في حلب إلى انطاكية في العاشر من كانون الأول لمراقبة الوضع .

وتحادث قنصل عام تركيا في بيروت بلباقة مع بعض موظفي الانتداب ودقق معهم الشكاوى التي رفعت إليه من طرف بيت الشعب في أنطاكية وصوب بعض ما جاء

فيها ،كما قام بزيارة عائلة قصيري وعبر عن أسفه عن الاعتداء الذي تعرض له الشاب علاء الدين ، وقارن بين تصريحات زعماء بيت الشعب وتصريحات أنصار الحكم الذاتي الموالين لسوريا حول ما جرى خلال المظاهرة التي وقعت في الأول من شهر كانون الأول.

كانت تصريحاته ودية لكن سلوكه ترك انطباع بأن حكومة أنقرة مصممة على التمسك بوجهة نظرها فيما يتعلق باستقلال اللواء .وخلال الفترة الممتدة من العاشر حتى السابع عشر من شهر كانون الأول تابع العرب والأتراك باهتمام بالغ المناقشات التي جرت في مدينة جنيف وشعر الجميع بوجود تباعد كبير بين موقفي تركيا وفرنسا .

قامت إذاعة الانتداب ببث تصريحات للسيد Viénot الذي أكد أن اللواء لا يمتلك مقومات الاستقلال الأمر الذي ألهب حماس العرب حتى أن البعض في دمشق بدأ بالتحدث عن إطلاق اسم معاون الوزير الفرنسي على أحد الشوارع الهامة .

وبالمقابل ركز راديو اسطنبول على فقرات من خطاب ألقاه الوزير التركي Rustu Aras تناولت مراراً القمع الدموي الذي راح ضحيته سكان اللواء ، كما تناولت الهدوء الذي فرض بالحراب وضرورة الاعتراف باستقلال اللواء حتى لا يتم إخضاع جماعة تركية لحكم جماعة غير تركية . وفي اليوم ذاته الذي نشرت فيه هذه الأخبار بدأ الناس يتداولون خبر بأن القوات الفرنسية تلقت أمراً بالخروج من اللواء استجابة لطلب الوزير التركي .وفي اليوم التالي وصل إلى أنطاكية خلاصة رد مساعد الوزير الفرنسي في الجلسة التي عقدت في الخامس عشر من الشهر وأعادت شيئاً من الهدوء، وتلا ذلك وصول نبأ قدوم لجنة من المراقبين المحايدين إلى اللواء وهو أمر استقبل بكثير من الحماس من قبل المواطنين غير الأتراك .

ظهرت بوادر القلق على أنصار الاستقلال، لكن التوجيهات التي وصلت من لجان هاتاي أعلمتهم أنه لا داعي لليأس ، وأن الأمور ستسير وفق مصالحهم وأعلمتهم بضرورة تنظيم أنفسهم ليظهروا للمراقبين مدى أهمية حجم الجماعة التركية في المنطقة ، وأخيراً وبهدف إقناع المتشككين بنجاح الديبلوماسية التركية ركز القائمون على الدعاية على الواقع الملموس المتمثل في استلام كتيبة الرماة وسرية الفرسان التين أرسلتا من حلب كتعزيزات أمراً بالانسحاب .

وعلى الجانب العربي السوري اتخذت استعدادات لاستقبال مراقبي عصبة الأمم وللمرة الأولى منذ فرض الانتداب اتحدت مكونات السكان غير الأتراك في كتلة واحدة موالية لسورية، كما كثفت عصبة العمل القومي من نشاطاتها واختفت

الطرابيش بعد أن تم استبدالها بالسيدارة ( وهي رمز الانتماء القومي العربي ) التي شوهدت بكثافة إلى جنب القبعات رمز الحداثة التركية .

المرحلة الأولى من الأزمة : كانون ثاني 1937- حزيران 1937

كانون ثاني 1937:

وصل فريق مراقبي عصبة الأمم إلى أنطاكية عشية العام الجديد، وكان مشكل من السادة MM.Caron و Ostwald وVon Watenwiel يساعدهم كل من السيد Anker والسيد Motier .وخلال الأيام الأولى التي تلت وصولهم لم يلتق المراقبون بالكثير من الناس وكان الأتراك والعرب يترقبان الطرف الذي سيبدأ التحرك ومع ذلك ما أن يغادر أحد المراقبين مكان إقامته حتى يجد نفسه متبوعاً بمجموعة من المتنزهين مرتدي القبعات كما لو أنه تصادف وجودهم على دربه، لكن الأتراك أجبروا على تغيير أسلوبهم بعد أن صار هناك مجموعة من المتنزهين من معتمري السيدارة يلاحق المجموعة الأولى أو يسبقها .ولم يشهد مقهى الفندق الذي استقر فيه المراقبون مثيلاً لهذه الحشود من معتمري القبعة والسيدارة . و كان الوضع في مدينة أنقرة يشهد انعطاف خطير وفق ما كانت تبثه الإذاعة التركية في اللواء .

السابع والثامن من كانون الثاني

انتشر في أنطاكية خبر صول الرئيس أتاتورك إلى مدينة قونية حيث عقد مباحثات شديدة الأهمية مع رئيس مجلس الوزراء ومع الجنرال فوزي جقماق رئيس هيئة الأركان العليا . وفي الساعة التاسعة من مساء يوم الثامن من ذلك الشهر أكد راديو بلغراد هذه الأنباء وأضاف إليها بعد التفاصيل الموحية بالقلق، وأخذ الناس بالتساؤل حول احتمال قيام كمال أتاتورك باجتياز الحدود على الرغم من الظروف المناخية الصعبة المرتبطة بفصل الشتاء .

لم يحدث تدخل عسكري لكن بدا أن أتراك مدينة أنطاكية مقتنعين بأن الأمر لا يخرج عن إطار خطوة تأجيل وجاءت زيارة كمال أتاتورك إلى قونية لتعزز هذه القناعة .

التاسع من كانون الثاني :

ظلت الأسواق التركية في مدينة أنطاكية مغلقة ، في حين بدأ القسم التركي في معهد الذكور بالدوام ، وبالمقابل قصد تلاميذ القسم العربي في المعهد مبنى السراي وتظاهروا قبالته بصخب تعبيراً عن احتجاهم على الفوضى التي تسبب بها الأتراك في المعهد ،ورد الأتراك عل مظاهرة العرب الصباحية بتجمع ضم 2500 تركي حملوا لافتات كتب عليها كلمة هاتاي وتظاهروا قرب فندق المراقبين .

العاشر والحادي عشر من كانون الثاني

في ساحة السوق في مدينة الريحانية وقبالة شرفة جلس عليها المراقبون، فقد الأتراك المقيمين في قضاء العمق سيطرتهم على أعصابهم وهاجموا بعنف خصومهم العرب الذين جاؤوا لعرض وجهة نظرهم وتلا ذلك مواجهة قتل خلالها دركي عربي بطلقة بندقية ،وجرح العديد من المتظاهرين وتطلب الأمر من جديد الاستعانة برجال سرية الخيالة الخفيفة لإعادة فرض النظام .

كان من المحتم أن يتسبب الشجار الذي حدث في الريحانية بنتائج سلبية بالنسبة لأنصار استقلال اللواء الذين حافظوا على انضباطهم حتى اللحظة لكنهم فقدوا قدرتهم على ضبط النفس الأمر الذي أضر بمواقعهم ، وكان من الصعب عليهم البرهنة أمام المراقبين على أن الأتراك يمثلون الأغلبية العظمى وفق ادعاءاتهم وأن غير الأتراك لا يمثلون سوى حفنة من البشر ففي الحادي عشر من الشهر تظاهر في مدينة أنطاكية أكثر من 2500 من غير الأتراك من سكان المدن والأرياف أمام مراقبي عصبة الأمم صائحين تحيا سوريا ! تحيا الوحدة السورية ! يحيا استقلال سوريا ! تحيا فرنسا !تحيا عصبة الأمم ! يعيش زكي الأرسوزي .

وفي المساء عبر المسلمون العرب عن تضامنهم مع المسيحيين العرب وذهبوا لأداء صلاتهم في الكنيسة الأرثوذكسية بدلاً من أداءها في الجوامع القائمة في الأحياء التركية .

إذن بدا أن محاولة أنصار استقلال اللواء للتأثير على المراقبين قد واجهت تهديد جدي. وفي مساء الحادي عشر من كانون الثاني وتحت الأمطار التي أخذت بالهطول تجمعت الشاحنات الكبيرة والصغيرة في أنطاكية، والتي كانت ملكية معظمها تعود إلى الأتراك، وانتشرت في اللواء بهدف جلب المتظاهرين الذين يريدون التظاهر في مدينة أنطاكية يوم الثاني عشر من كانون الثاني بقصد الاستعراض أمام أعين مراقبي عصبة الأمم .

اشتد هطل الأمطار في الصباح الباكر وكان تجمع خمسة عشر الف شخص في المنطقة المحيطة بمعهد الذكور معاناة حقيقية، وكان هناك أولاد بين السادسة والحادية عشر من العمر ينتظرون انطلاق المظاهرة وهم مبللين يرتعشون من البرد .

بذل السكان الأتراك ، والنساء منهم بشكل خاص، الجهد الكبير لكن سوء الأحوال الجوية لم يسمح للتحرك ببلوغ المدى الذي أراده القائمون على التنظيم . استمرت المظاهرة قرابة الساعتين ( من الساعة الحادية عشر وحتى الثالثة عشر والنصف) وما أن انتهت حتى بدأ هطل الثلوج بغزارة الأمر الذي بعثر المتظاهرين المنهكين والمتجمدين ودفعهم للجوء إلى حمامات السوق التي فتحت للعموم مجاناً ذاك النهار.

كان الجهد الذي بذله الأتراك كبيراً ،لكنه لم ينجح في إثبات أن اللواء تركي بل نجح في البرهنة على أن كل المكونات الأخرى من العرب المسيحيين والمسلمين والأرمن تقف في مواجهة التهديد بالغزو . حاولت اللجان الخاصة بنصرة هاتاي تجديد طاقة أنصارها لكن دون جدوى ،واكتفى الناس بالبقاء في البيوت ونسج علم اللواء بالآلاف ( والذي يتميز عن العلم التركي بالنجمة الحمراء بدلاً عن النجمة البيضاء ) . تم صنع أعداد هائلة من الأعلام بحيث صار من المستحيل العثور في أسواق أنطاكية على أي قطعة نسيج حمراء ،وقيل أن الأعلام صنعت ليتم رفعها يوم دخول القوات التركية إلى المدينة وهو أمر ساد اعتقاد بأنه قريب الأمر الذي ولد الكثير من القلق لدى المكونات غير التركية .

لم تحمل الأخبار التي وردت من مدينة جنيف أية إشارة على تقارب وجهتي النظر التركية والفرنسية، ولم تخف الإذاعة الاستعمارية التي تبث من مدينة باريس حالة القلق وبثت في مساء العشرين من شهر كانون الثاني ما يلي : ” نظراً لتباين وجهات النظر حول موضوع استخدام اللغة التركية التي تريد حكومة أنقرة فرضها لغة رسمية وحيدة في اللواء، تولدت مخاوف من أن تتبع تركيا نصائح ألمانيا وإيطاليا المغرضة وأن تقوم بضربة مفاجئة ” .

انتشر الخوف بين الناس وكان المسيحيون والمسلمون استقبلوا بحماس خبر الاتفاق الذي تم التوصل إليه في الحادي والعشرين من كانون الثاني وظنوا، بالاستناد إلى المعلومات الأولية، أن بلدهم سيظل تحت رعاية سوريا وفرنسا حيث قامت العائلات الميسورة بتوزيع البرغل على الفقراء تعبيراً عن السعادة، وبشكل عام فإن اتفاق الحادي والعشرين من كانون الثاني الذي سيرى فيه غير الأتراك لاحقاً أنه جاء لمصلحة الأتراك رفع الغشاوة عن أعين الكماليين وولد لدى خصومهم الكثير من الرضا فيما يتعلق بنقطتين فقط هما النقطة المتعلقة برحيل القوات الفرنسية

السورية ، ونقطة منح اللغة العربية مكانة ثانوية الأمر الذي جعل العرب يشعرون بشيء من القلق وبأن هناك شيء مس اعتزازهم بأنفسهم .

حافظ عرب أنطاكية خلال اليومين التاليين على هدوءهم التام ولم يتحركوا إلا بعد ورود أنباء مظاهرات الاحتجاج في كل من دمشق وحلب الأمر الذي دفعهم لتغيير رأيهم والقول بأنه قد تمت خيانتهم ،واتهموا فرنسا بأنه لم تفعل ما بوسعها لحمايتهم وإذا صدقنا فحوى احتجاجات القادة الأتراك المتكررة فهذا يعني أن ثمة موظفين سوريين من العاملين في اللواء شعروا بأن الاتفاق الجديد سيعني نقل عملهم إلى الداخل السوري فقاموا بدور كبير في نشر التوتر بين غير الأتراك .

تابع المراقبون زياراتهم في اللواء وكانوا يستقبلون بالود في كل مكان ورأيناهم في القصير وفي جبل موسى، وفي مدينة حاج إيلار، وفي السويدية، وأرسوز وفي محافظة اللاذقية في ناحيتين رغب الأتراك بإلحاقهما باللواء . وقام المراقبون باستقبال كل المجموعات والأفراد الذين رغبوا بالتواصل معهم . وفي معهد الذكور في أنطاكية تحدث المراقبون مع كل معلم ومدرس لمدة خمسة ساعات وقاموا لاحقاً بزيارة الصفوف التكميلية لإناث .

ساهم وجود المراقبين وحيادهم والرغبة بالتفهم التي أظهروها تحت كل الظروف في إعادة الهدوء إلى هذا العالم الذي هزته الأخبار المتناقضة .

وبهدف إقناع المراقبين وكل المهتمين بقضية اللواء بمتانة ما يطرح ، قامت جمعية استقلال هاتاي والجمعية العربية للدفاع عن اسكندرون بنشر مجموعة من الكتيبات حاول فيها الأتراك إثبات أن اللواء تركي في حين سعى العرب للبرهنة على عروبة اللواء وكل هذا بالاعتماد على التاريخ، و الانتشار الإثني ، واللغة والإحصائيات الديموغرافية ، وملكية الأراضي والعقارات . لكن هذا النقاش على المستوى الفكري أظهر أن أصعب مراحل الأزمة تم تجاوزه ،واستمر إيقاع الحياة وظهرت انقسامات جديدة بين صفوف الكماليين الذين كانوا قد حافظوا على وحدتهم التامة حتى ذلك الوقت .

هل كانت هناك دلائل على تشكيل حزب ارستقراطي جديد مكون من الآغوات بهدف مواجهة ظهور تشكيل جديد أكثر شعبية ؟ هذا ما يستشف من النقاشات المتتالية التي دارت في بيت الشعب وكشفت عن وجود هذين الاتجاهين .

كما عادت الانقسامات بين صفوف العرب للظهور حيث تجابهت عصبة العمل القومي مع النواب العرب الأكثر اعتدالاً، وظهرت انشقاقات ضمن صفوف العصبة واختفت، السيدارات واختفى معها الغليان الذي واكب أيام الحشود الشعبية .

كما ظهر التنافس بين الشخصيات الأرمنية في مدينة السويدية وفي جبل موسى بعد أن كانت متحدة وموحدة مع العرب .لكن هذه الانشغالات الثانوية برهنت على أن الأعصاب أخذت بالاسترخاء منذ نهاية شهر كانون الثاني، وبدت الأحداث التي جرت لاحقاً حتى نهاية شهر أيار تحت السيطرة . وترقب الجميع أن يصدر في جنيف الوضع الإداري والقانون الأساسي وهما النصان اللذان سيحددان في المستقبل شكل الإدارة التي ستقود اللواء .

شباط – آذار- نيسان 1937:

كان كل طرف يترقب نص يتوافق مع تطلعاته، ومرت شهور شباط وآذار ونيسان بهدوء شبه كامل، لكن عاد الاضطراب مع اقتراب موعد اجتماع مجلس عصبة الأمم ، وكان التوتر دون أصداء خلال شهر أيار وسرعان ما تطور ليأخذ شكلاً حاداً .

إن مسؤولية الأحداث التالية تقع على عاتق الأخبار الكاذبة، بالإضافة إلى تصريحات القادة العرب الذين استفادوا من العفو ( الدكتور الشهبندر بشكل خاص ) وعلى الممارسات غير الحذرة لبعض الموظفين السوريين في اللواء ، وعلى اللهجة التي تبنتها الصحافة السورية ، وعلى المبالغات الحادة في خطابات بعض الأتراك.

أيار 1937

الحادي والعشرين منه.

أغلقت السواق العربية في مدينة أنطاكية احتجاجاً على الأنباء غير المؤكدة التي وردت من مدينة جنيف .

الثاني والعشرين منه .

أحيى العرب عيد المولد النبوي بحماس يفوق المعتاد ، ووجه المسلمون دعوات إلى المسيحيين للمشاركة في الاحتفال في المساجد ، كما شارك الكشافة العرب من مدينة حلب في الاحتفال وفي المساء جابت فصائلهم شوارع الحياء العربية .

الرابع والعشرين منه :

أغلقت الأسواق العربية بمناسبة افتتاح دورة مجلس عصبة الأمم احتجاجاً على كل أشكال النزعة الانفصالية، وفي المساء حدث اشتباك بين الكشافة العرب في مدينة أنطاكية الذين كانوا ينشدون الأناشيد الوطنية والأتراك وحدث الاشتباك قرب جسر انطاكية .

السابع والعشرين من الشهر

أعلنت الإذاعة الاستعمارية وإذاعة إسطنبول نبأ إقرار وضع اللواء وقانونه الأساسي، واحتفل الأتراك بصخب وتعالت هتافاتهم وأنشدوا الأناشيد التركية وأشعلوا المفرقعات .

الثلاثين من الشهر

استمر احتفال الحشود ، وكان العرب قلقين ومتوترين ،وزاد في الطين بلة حدوث أخطاء في ترجمة النصين الخاصين بوضع اللواء وبالقانون الأساسي خلال النقل من اللغة الفرنسية إلى اللغة العربية الأمر الذي حور فحوى القرارات التي اتخذت في جنيف .

وهكذا ساد اعتقاد بعد نشر النصين في الصحف العربية بأن على الناخبين من الدرجتين الأولى والثانية الإلمام بالقراءة و والكتابة ونظراً لواقع أن معظم الفلاحين العرب كانوا من الأميين اعتقد القائمون على إدارة عصبة العمل القومي أن هناك محاولة لاستبعاد هؤلاء في الانتخابات القادمة .وظلت الأسواق العربية في مدينتي انطاكية و اسكندرون مغلقة وتظاهر أربعمائة عربي في مدينة اسكندرون تعبيراً عن استياءهم .

شهر حزيران 1937

الثالث من الشهر

استمرت الأسواق العربية في مدينة أنطاكية في إغلاق متاجرها، وقام الشبان العرب باعتراض عمليات نقل الفواكه التي تأتي من الحقول المجاورة ،كما أغلقت أسواق مدينة السويدية ، وقام الأتراك بالتخفيف من مظاهر فرحهم وطالبوا السلطات الفرنسية بإجراءات لحمايتهم .

الرابع من الشهر

في تمام الساعة الخامسة عشر والنصف، وعند الطريق الموازية لنهر العاصي في المنطقة الواقعة بين الجسر وفندق السياحة ،اندلع اشتباك عنيف بين العرب والأتراك خلف عشرة مصابين بينهم واحد كانت إصابته خطرة الأمر الذي أجبر السلطات على استدعاء اللواء الخامس لفرض النظام .وقام شباب عصبة العمل القومي بمهاجمة الأتراك الذين أنشدوا الأناشيد التركية في شوارع الأحياء العربية ورموهم بالحجارة وأغلقت الأسواق التركية والعربية . الخامس من حزيران

تلقت الصحف السورية سيلاً من البرقيات القادمة من أنطاكية وكان فيها شيئاً من المبالغة ، وظلت الأسواق العربية والتركية مقفلة وصار من المستحيل مرور العرب في الأحياء التركية أو عبور الأتراك الأحياء العربية ، وجرح تركيان وعربي بسبب قذفهم بالحجارة كما أصيب عربي إصابة بالغة بطعنة خنجر وفشلت محاولة المصالحة بين العرب والأتراك نتيجة تعنت بعض العرب المسلمين .

السادس من حزيران

ظلت الأسواق مغلقة وبقي الوضع متوتراً، وانتقد العرب الموظفين الذين ذهبوا إلى أعمالهم في السراي . وقامت وحدة من الدرك بتفريق تجمع أمام الكنيسة الأرثوذكسية كما تم عقد اجتماع في دار ممثل المفوض السامي ضم الوجهاء من كل الطوائف وكل الأحزاب في محاولة لإيجاد أرضية للمصالحة وأفضى الاجتماع إلى نوع من الانفراج الذي شابه الغموض .

السابع من حزيران

استمرت الاعتداءات الفردية المتبادلة بين العرب والأتراك، وتمت مهاجمة السيارات والشاحنات وتوجه السكان على مختلف انتماءاتهم إلى السلطات الفرنسية بطلب الإمساك بزمام الأمور وإعادة النظام، لكن ممثل سلطة الانتداب رد بأن هذه المهمة تقع على عاتق السلطة المحلية ولكنه سيبذل جهده لحل المسألة بشكل ودي .كما تم عقد اجتماع ثان للوجهاء بحضور ممثل المندوب السامي ونتج عنه صيغة للمصالحة العامة برعاية ممثل فرنسا ، لكن فترة المساء شهدت إطلاق عيارات نارية في حي تركي الأمر الذي أثار التوتر .

الثامن من حزيران

تحقق تحسن واضح وفتحت معظم الأسواق وانتشر الوجهاء من العرب والأتراك في كافة الأحياء في محاولة لفرض الهدوء والمحافظة عليه .لكن كان لأحداث انطاكية تبعات في منطقة القصير حيث اندلع اشتباك بين أنصار تركيا وأنصار سوريا أسفر عن ثمانية جرحى .

وبعد أن تم تصحيح أخطاء الترجمة تبين أن النصين الخاصين بوضع اللواء وبالقانون الأساسي لا تتضمن إجحافاً بحق أي طرف كما لم يقدما مزايا لمصلحة

أية مجموعة عرقية . وبدا وقتها أن الأزمة هدأت لكن لا يجب إرجاع هذا التحسن السريع إلى جهود ممثل فرنسا الهادفة للتهدئة وحدها لأن العامل الآخر تمثل في واقع أن عرب اللواء ومعظم المكونات غير التركية رفضوا التجاوب مع عناصر عصبة العمل القومي المتحمسين .

إذن وعلى الرغم من اللهجة العنيفة التي استخدمتها الصحف التركية والسورية وعلى الرغم من هاجس الغزو والصدامات العرقية والدينية لم تخلف تلك الأحداث التي وقعت ما بين 20 تشرين اول 1936 والعاشر من حزيران 1937 سوى ثلاث جثث ( اثنتان في أنطاكية وواحدة في الريحانية ) .

وعلى الرغم من تراجع حدود سلطة الانتداب نتيجة لمشروع المعاهدة الفرنسية السورية لكنها امتلكت ما يكفي من المرونة لإيقاف سفك الدماء مع السماح للجماهير بالتعبير عن تطلعاتها ويعود هذا الفضل إلى السيد DURIEUX ممثل المندوب السامي وممثل فرنسا على الأرض الذي تمكن من التعامل بقدر كبير من الحكمة والاستقامة مع ظروف بالغة الصعوبة .

حزيران 1937

إذن بدا في شهر حزيران من عام 1937 أن أزمة لواء اسكندرون أدت إلى النتائج التالية :

1- تعزيز السلطة المعنوية لكل من فرنسا وعصبة الأمم في تلك المنطقة حيث أقر أن يكون ممثل عصبة الأمم من الجنسية حيث نصت المادة الخامسة من القانون الأساسي على أنه بهدف مراقبة احترام الوضع القائم والقانون الأساسي تقرر أن تقوم عصبة الأمم بتسمية مندوباً من حاملي الجنسية الفرنسية من المقيمين في اللواء ، ويكون من حق هذا المندوب تعليق أي نص تشريعي أو حكومي يتعارض مع الوضع القائم ومع أحكام القانون الأساسي لفترة أربعة اشهر كحد أقصى .ومن الضروري في هذه الحالة الرجوع في أسرع وقت ممكن إلى مجلس عصبة الأمم الذي يمتلك حق اتخاذ القرار النهائي بهذا الخصوص .

2- ضمان قاعدة أمن أشد صلابة لمصلحة سوريا حيث صارت مسألة سيادة اللواء شأناً دولياً .

حيث نصت المادة السابعة على :

إن الحكومتين الفرنسية والتركية ستستجيبان للتوصيات التي تصدر عن مجلس عصبة الأمم بهدف ضمان احترام القرارات الصادرة عن المجلس .

3- منح تركيا بعض الامتيازات الاقتصادية من خلال استخدام ميناء اسكندرون والاعتراف باللغة التركية لغة رسمية إلى جانب اللغة العربية حيث نصت المادة 43: يحق لتركيا استخدام ميناء اسكندرون دون قيود لتلبية حاجاتها من عمليات الترانزيت ،وتقوم حكومة اللواء بتخصيص تركيا بمساحة واسعة تخضع للإدارة الجمركية التركية لمدة خمسين عام لقاء ليرة سورية ذهبية واحدة سنوياً. إن الأراضي و المنشآت المختلفة التي تعود ملكيتها إلى حكومة اللواء أو إلى بلدية اسكندرون الواقعة ضمن المساحة المخصصة لتركيا ستمنح لتركيا دون مقابل في حين تتم مصادرة المنشآت وكل أشكال الملكيات الخاصة في المنطقة المخصصة ويقع على عاتق الحكومة التركية دفع التعويضات للمالكين .

4- بروز أمل في أن يتم عقد معاهدة صداقة فرنسية- سورية- تركية يمكن أن تعزز من وجود الأمة السورية المستقلة من خلال تشكيل كتلة تواجه الأطماع الأجنبية في الشرق الأوسط .

5- وتبدو النقطة الأكثر أهمية في أن النصين الخاصين بوضع اللواء وبالقانون الأساسي يؤسسان لقيام نظام ليبرالي لا يسمح بهيمنة أي مجموعة على المجموعات الأخرى . حيث جاء في المادة الخامسة :

تتم ممارسة السلطة التشريعية باسم شعب للواء من خلال الجمعية المكونة من أربعين عضواً ينتخبون لمدة أربع سنوات .

في حين نصت المادة السادسة على : تتم انتخابات الجمعية على درجتين .

كما نصت المادة السابعة على : يعتبر كل سكان اللواء من الذكور الذين تجاوزوا العشرين من العمر ناخبين في الدرجة الأولى بشرط ألا يكونوا قد حرموا من حقوقهم المدنية أو مصابين بعجز وفق نصوص القانون وبعد التحقق من الأمر من قبل السلطات المختصة .

ونصت المادة الثامنة على أنه من شروط الترشح في انتخابات الدرجة الأولى الإلمام بالقراءة والكتابة ويجب أن تتوفر هذه الشروط في مرشحي الدرجة الثانية بالإضافة إلى شرط ألا يقل عمر المرشح عن خمسة وعشرين سنة .

المادة التاسعة : يقوم ناخبوا الدرجة الأولى بتسجيل أنفسهم في سجلات يشرف عليها ممثلين عن اللجنة المحددة بالمادة 15 ، ويتم توزيع سجلات الناخبين وفق مكونات المجتمع وفق التالي :الجماعة التركية ، الجماعة العلوية ، الجماعة العربية ، الجماعة الأرمنية، الجماعة اليونانية الأرثوذكسية ، الجماعة الكردية ، جماعات أخرى . إن اللجنة التي نصت عليها المادة الخامسة عشر هي الجهة التي تعلن إغلاق العملية المنصوص عليها في المادة التاسعة وتحدد المهلة الزمنية بين إغلاق التسجيل وبين بدء انتخابات الدرجة الأولى .

المادة العاشرة :

إن عدد الناخبين المسجلين بوصفهم منتمين إلى مجموعة محددة هو الذي يحدد عدد نواب وعدد ناخبي الدرجة الثانية المخصصين لهذه المجموعة في جمعية اللواء ولكن بغض النظر على نتائج التسجيل فهناك حد أدنى لعدد النواب المخصصين لكل جماعة وفق التالي :

الجماعة التركية 8 نواب

الطائفة العلوية 6 نواب

العرب السنة : نائبين

الجماعة الأرمنية : نائبين

الجماعة اليونانية الأرثوذكسية نائب واحد

المادة 11: يحدد لكل مائة ناخب في الدرجة الأولى ناخب واحد في الدرجة الثانية .

المادة 12:يعتبر القضاء هو الدائرة الانتخابية ويتم التصويت في مركز الناحية أو في مركز الحي ويمكن وضع صندوقي اقتراع في ناحية واحدة .

المادة13 : يتم انتخاب النواب من قبل ناخبي الدرجة الثانية .

المادة 14: تتم انتخابات الدرجتين بالاقتراع السري ،ويتم إعلان لوائح المرشحين على مستوى المجموعات السكانية، ولا يزود الناخب إلا بلائحة مرشحين واحدة تضم أسماء المرشحين من أبناء الطائفة التي أعلن انتماءه إليها .

لكن الأحداث تمخضت أيضاً عن بعض النتائج الغامضة :

1- أين هي الحدود التي ستتوقف عنها تدخلات لجان الدعاية التركية في شؤون لواء اسكندرون .

2- هل سينتهي الأمر بالعرب والأتراك بالاتفاق بعد المواجهات التي خاضوها أم أن الصراعات المحلية ستستمر وستسمم العلاقات الفرنسية السورية التركية .

3- هناك قناعة بأن الصلاحيات الممنوحة لمندوب عصبة الأمم الفرنسي محدودة بحيث تعيق تطبيق مهمته بشكل جيد الأمر الذي يفرض عليه التعامل بحذر شديد مع أنقرة إن اراد تفادي الحملات الصحفية المستمرة .

وكخلاصة أفضى الصراع الذي نشب في اللواء في شهر أيار 1937 إلى إقامة نظام ليبرالي تشرف عليه فرنسا وعصبة الأمم ولا يسمح بهيمنة أي مجموعة سكانية ويحافظ على حقوق كل واحدة منها .

لكن واعتباراً من شهر ايلول من عام 1937 أدى تجدد الصراع إلى إلغاء إشراف فرنسا و عصبة الأمم ،وقاد إلى قيام ديكتاتورية لصالح المجموعة التركية في اللواء على حساب كل المجموعات الأخرى وبالتالي صار هناك تدخل تركي مستمر في تلك المنطقة حل محل سلطة الانتداب الفرنسي .

الــــمرحلــــة الثانـــيـــة: القسم الأول

خلال الفترة الواقعة ما بين شهر تموز من عام 1937 وشهر حزيران من عام 1938 حاول السيد M.GARREAU ،بوصفه ممثل المندوب السامي، منح اللواء حياة مستقلة لكن المحاولة فشلت تحت تأثير الهيجان الشعبي.

صحيح أن التصريحات الصحفية للحكومة التركية عبرت عن رضاها، لكن الأشخاص المطلعين على الأمور قالوا أن أنقرة تعتبر حل مسألة اللواء بتلك الطريقة يعتبر فشل لديبلوماسيتها وأنها تستعد لشن هجوم مضاد ، ولهذا لم يتراجع التوتر بين مختلف المكونات السكانية وأتت الأحداث اللاحقة لتعطي برهان على صحة وجهة النظر هذه .

تموز 1937 : استدعاء ممثل المندوب السامي السيد M.GARREAU إلى فرنسا بتاريخ 18 تموز 1937 بعد تعرضه لحملات انتقاد في الصحافة التركية .

السادس من ايلول 1937 : وصول السيد Roger GARREAU الممثل الجديد للمندوب السامي إلى اسكندرون .

الخامس من تشرين اول 1937: تعيين قنصلين تركيين في اللواء ، قنصل عام في أنطاكية وقنصل في اسكندرون .

وفي يوم العشرين من تشرين اول 1937 وصلت إلى أنطاكية اللجنة الثانية التي شكلتها عصبة الأمم وكانت برئاسة M.REID وكانت مكلفة بوضع اللوائح الانتخابية التي نص عليها القانون الأساسي للواء .وخلال مرور أفراد اللجنة بأنقرة قيل أن بعض الشخصيات التركية أخبرتهم بوجود رغبة في استبدال الإدارة السورية في اللواء بإدارة فرنسية .

وخلال تلك الفترة تكون تجمع سياسي سمي ” الاتحاد اللوائي” ضم كل الجماعات السكانية وبشكل خاص الجماعات غير التركية الراضية بالوضع الذي نجم عن نص الوضع الأساسي للواء ومعارضاً لإلحاق اللواء بتركيا ورافضاً أي هيمنة للجماعة التركية .

المرحـــلة الثانـــية : القسم الثاني

مع وصول الممثل الجديد للمندوب السامي السيد Roger GARREAU حرص الكماليون لفترة من الوقت على تحاشي ارتكاب أية حماقة، ولكنهم كانوا يعدون عملية رصد لكل شخص أمضى فترة من الزمن في مناطق اسكندرون و أنطاكية وقرق خان وإرساله إلى اللواء وضمن هذا السياق تم في مقر الأمن العام بتاريخ السادس عشر من ايار من عام 1938 تسجيل 2402 ناخب قدموا من تركيا .

تشرين اول 1937 : تعامل القنصلين التركيين كما يجب مع موظفي الانتداب الفرنسي ،بل يمكن القول أنهم تملقوهم بحيث ساد اعتقاد في شهري أيلول وتشرين اول من عام 1937 بان تركيا رضيت بالوضع القائم في اللواء وبأن أيام الاضطرابات ولت .

استؤنف الهجوم التركي في التاسع والعشرين من شهر تشرين أول 1938 بمناسبة إعلان النظام الجديد .

اعتقد الفرنسيون بأن اللواء ،بوصفه كيان مميز ضم الجمهورية السورية ،يجب أن يحتفظ بالعلم السوري مع تمتعه بالاستقلال الداخلي التام لكن ممثلي بيت الشعب

وقنصلي تركيا استجابوا لأمر عمليات صادر عن أنقرة وأعلنوا أن وجود العلم السوري في اللواء يتعارض مع ما اتفق عليه وقالوا أنه يستفز الشعور القومي التركي وأن لا شيء يمنع السكان الأتراك من رفع علم هاتاي في حال بقاء العلم السوري مرفوعاً على المباني الرسمية العامة .

وبهدف ضمان تمرير احتفالات عيد الاستقلال بلا اضطرابات قبلت السلطات الفرنسية بالتخلي عن الرايات السورية وكان من المفترض أن يأتي المندوب السامي إلى اللواء ليتلو نص إعلان الوضع الأساسي في اللواء لكنه ألغى رحلته وكلف ممثل المندوب السامي في اللواء بتلك المهمة .

جرى الاحتفال بما سمي بيوم الاستقلال بهدوء شبه كامل، لكن المشاركة اقتصرت على العناصر التركية في حين نأت المكونات الأخرى بنفسها عن المشاركة . لكن وعلى الرغم من إرضاء الأتراك بالنقطة المتعلقة بالعلم السوري استأنفت الصحف التركية حملاتها ضد الإدارة الفرنسية في اللواء وضد ممثل المندوب السامي وضد النفوذ الفرنسي بشكل عام .

وخلال فترة تلك الحملة الصحفية تابع ممثلو عصبة الأمم زيارة البلاد وأعدوا ما هو مطلوب لإنجاز اللوائح الانتخابية وأتيح لهم الكثير من الفرص ليشهدوا على الأرض محاولات كبار الملاك الأتراك ممارسات الترهيب ضد المزارعين العرب والأكراد العاملين لديهم لمنعهم من الاقتراب من لجنة عصبة الأمم وكنت فظاظة تلك الأساليب سبباً لدفع رئيس اللجنة للإعلان عن النية في اتخاذ إجراءات فعالة ضد كل من يحاول منع الناخبين من الاختيار الحر وعرقلة تسجيلهم ضمن سجلات طوائفهم الأصلية ـوأدت هذه التصريحات إلى إثارة الأتراك وكان ردهم عنيفاً بعد أن أدركوا أنهم لا يشكلوا سوى أقلية في اللواء وأنه في حال جرى التسجيل على اللوائح الانتخابية بشكل نظامي فإن هذا يعني عدم حصولهم على الأغلبية في البرلمان المقبل .

المرحلة الثانية : القسم الثالث

قرر الأتراك القيام ببعض الإجراءات للوصول إلى هدفهم المباشر المتمثل بالحصول على أغلبية في البرلمان :

1- كسب أكبر تأييد ممكن لقضيتهم بين صفوف الطوائف الخرى .

2- تأمين موافقة عصبة الأمم على تعديل الوضع بحيث يسمح لأبناء الطوائف الأخرى ( المسلون العرب بطوائفهم ، اليونان الكاثوليك أو أرثوذكس ، الأكراد ، الشركس ، والأرمن )بالتسجيل ضمن اللوائح التركية.

حاول الأتراك لكسب تأييد أبناء العلويين عن طريق اجتذاب بعض الشيوخ المعروفين مثل الشيخ معروف في السويدية والشيخ عبدالله غالي في أنطاكية والشيخ حميد في اسكندرون ولفترة ساد اعتقاد بأن نفوذ المشايخ سيجعل البعض ينقلب إلى جانب الأتراك .

عادت اللجنة المكلفة بإعداد النظام الانتخابي إلى مدينة جنيف وأصر الأتراك على أن التسجيل في اللوائح الانتخابية يجب أن يكون على اساس ما يصرح به الشخص المعني لا على أساس اللغة أو انتماءه الديني ، وساد في اللواء اعتقاد بأن الطلب التركي سيرفض ولهذا استقبل الناس بذهول نبأ نجاح الأتراك في فرض وجهة نظرهم .

تولد انطباع لفترة من الزمن بأن هذا الاتفاق سيهدد قضية الاتحاد اللوائي ففي واقع الأمر ،وتحت ذريعة التمسك بالليبرالية ،فإن تبني هذا الطرح يسمح لكبار الإقطاعيين باللجوء إلى أساليبهم القمعية التقليدية وبالتالي ممارسة الضغط على الفلاحين العرب والأكراد وتخييرهم بين تسجيل أسماءهم على اللوائح الانتخابية التركية أو طردهم من حقولهم وبالتالي رميهم إلى حياة البؤس .وزاد في سوء الوضع رفض عصبة العمل القومي التفاهم مع الاتحاد اللوائي وسادت مخاوف من ان يؤدي هذا الصدع إلى تدمير تماسك غير الأتراك .

وبهدف تفادي هذا الاتجاه نحو انقسام العرب أرسلت الحكومة السورية في دمشق مندوباً إلى أنطاكية في مهمة إعادة توحيد المجموعات غير التركية ، وكانت مهمته صعبة لأن التنافس الشخصي بين زعماء الجماعات المحلية الصغيرة في مواجهة النجاحات المستمرة التي حققها الأتراك في المؤتمرات الدولية دفعت بعض المتعقلين للتساؤل إن لم تكن الحكمة تقتضي التصالح من الآن مع الذين سيفوزون في المستقبل . التقط الأتراك الأمر وشددوا من دعايتهم باذلين مختلف أنواع الوعود لمن سيقفون إلى جانبهم وهكذا قام أبناء الكاثوليك في مدينة اسكندرون بالتسجيل في بيت الشعب بعد ان أعطوا وعود بإعادة ممتلكاتهم في منطقة كيليكيا .

ظهر هدف حكومة أنقرة جلياً فبعد الحصول على إلغاء الإدارة السورية في اللواء وطلب إقامة إدارة فرنسية ،صار من الضروري الحد من وضع الإدارة الفرنسية وجعل البلاد تعيش حالة من الاضطرابات وهكذا تابعت الصحف هجماتها وتم افتعال الشجارات في القرى ، وشهدت الليالي إطلاق عيارات نارية في الهواء . وفي أنطاكية رفض الأتراك التوجه إلى الإدارة الرسمية وصاروا يقصدون هيئات بيت الشعب لحل خلافاتهم .وكان هدف الأتراك :

1- رفض أي حكومة تعينها دمشق .

2- رفض أي حكومة تنبثق عن فرنسا أو عن عصبة الأمم .

3- رفض أية حكومة متوازنة مستندة إلى توزع السكان المحليين في حال لم تمنحهم وضع السادة المطلقين بهدف تسليم الحكومة إلى الكماليين اللوائيين ومع بداية شهر نيسان بدأت الدعاية التركية بالترويج لنبأ توصل فرنسا وتركيا لاتفاق جديد تلتزم فرنسا من خلاله بمنح الأتراك 22 نائباً من اصل أربعين بدلاً من الستة عشر نائب وفق ما نص عليه القانون الأساسي .

نيسان 1938: لم يعد هناك من مجال أمام ممثل المندوب السامي في اللواء لمواجهة تلك الأنباء التي تتوارد يومياً وقصد باريس بهدف الحصول على التعليمات . وخلال غيابه وصل أعضاء لجنة عصبة الأمم المكلفة بمراقبة الانتخابات إلى اللواء بتاريخ 21 نيسان . مع نهاية شهر نيسان عاد السيد M.GARREAU من باريس ونصح مرؤوسيه بالتمسك بالإجراءات القانونية لكن دون التعرض للدعاية الانتخابية التركية وبعد أيام قليلة من عودته قصد مدينة أنقرة برفقة القنصل التركي العام في انطاكية .

المرحلة الثانية : القسم الرابع

شهر ايار 1938:

عقدت في الفترة ما بين 4-6 أيار في أنقرة مباحثات بين ممثل المندوب السامي في اللواء وأعضاء الحكومة التركية ونتج عنها اتفاق التزم على أساسه المندوب الفرنسي بإبعاد بعض الموظفين عن مناصبهم بهدف منع حدوث ضغوط ضد الأتراك من قبل الإدارة، وبالمقابل التزم الأتراك بتعليق حملتهم المثيرة للقلاقل وشدد البيان الذي صدر عقب الاتفاق على صراحة وإخلاص الطرفين .

وسرعان ما جاءت الوقائع لتكذب هذه التصريحات ،ففي ليلة السادس من الشهر قام محرضون أتراك بإطلاق النار على عنصري درك في شوارع أنطاكية واستمر تصعيد التوتر وبهدف مواجهة مختلف الاحتمالات تم استدعاء كتيبة من رماة البنادق المغاربة من دمشق .

قام السيد ممثل المندوب السامي في اللواء ،فور عودته من تركيا، باتخاذ مجموعة من الإجراءات متوافقة مع الاتفاقات التي عقدها في أنقرة وتم تجميد عمل كل من علاء الدين بيك الأمين العام للواء وحسن بيك جبارة مدير المالية وصلاح الدين القصيري قائمقام أنطاكية وراسم بيك مدير مصلحة الأشغال العامة وتم تعيين الشيخ

شمس الدين مدير الزراعة في منصب الأمين العام للواء في حين سمي الحاج أدهم بيك في منصب قائمقام أنطاكية .

لكن مناهضة الأتراك كانت أشد قوة من إرادة الموظفين الفرنسيين والأتراك ،ولم يتمكن ممثل المفوض السامي في اللواء هو ومرؤوسيه من منع هؤلاء الأشخاص من الاتحاد بهدف منع هيمنة المجموعة التركية وهو أمر اعتبروه بمثابة الخطوة الأولى على طريق إلحاق اللواء بتركيا، وهكذا عاد إلى الوجود الاتحاد الذي نشأ في كانون الثاني 1937 وصار أشد صلابة . ومع انطلاقة عمليات التسجيل في الثالث من أيار اتضحت الملامح العامة فالعلويون سجلوا أسماءهم في السجلات المخصصة لهم كما رفضت أعداد من الأتراك المتدينين من مخصوم الكمالية التسجيل ضمن سجل الأتراك . وفي يوم الرابع من أيار وقع اشتباك بين الأتراك وبين أنصار الاتحاد اللوائي أوقع ستة جرحى ، أربعة أتراك وعربيين .

وفي يوم السابع من أيار وصلت إلى أنطاكية كتيبة الرماة المغاربة وعاد بقدومها بعض الهدوء لكن الإجراءات الانتخابية برهنت باستمرار على أن الأتراك لا يشكلون أغلبية في اللواء .وفي مساء العشرين من شهر أيار أعلنت لجنة عصبة الأمم أنه في أقضية اسكندرون وقرق خان كان التوزع وفق التالي 47% أتراك و53% من غير الأتراك . وفي ليلة الخامس والعشرين من أيار قامت عصابة من الأتراك بمهاجمة قرية في منطقة العمق وقتلت اثنان من الوجهاء وجرحت الكثيرين كما قامت بإحراق بعض البيوت .

قامت الصحافة التركية بتفسير الإجراءات التي تم اتخاذها لتوقيف المعتدين وبشكل خاص عملية التفتيش والمصادرة في بيت الشعب في الريحانية بوصفها أفعال غير ودية من قبل فرنسا تجاه تركيا واشتدت الحملة ضد ممثلي فرنسا وصارت الاعتداءات يومية :

7 أيار : اشتباك في أنطاكية أسفر عن وقوع جريح واحد .

27 أيار : قتل شخص عربي مسلم .

30 ايار: اشتباك في أنطاكية أوقع ثمانية جرحى .

31أيار : اغتيال فلاحين من العرب المسلمين في أنطاكية .

وخلال تلك الفترة التي شهدت عمليات القتل في اللواء أتت تعليمات من باريس توصي بتلبية المطالب التركية .

 

صارت مهمة السلطات الفرنسية ،وبشكل خاص مهمة ممثل المفوض السامي في اللواء، مستحيلة فقد كان عليه الالتزام بإخلاص بالتعليمات القادمة من حكومته وتجنيب بلاده تعقيدات جديدة في تلك الفترة المضطربة وحماية مصالح مختلف الطوائف متضاربة الآمال .

وضمن هذه الظروف قررت لجنة عصبة الأمم تعليق مهامها المتعلقة بالإحصاءات الانتخابية لمدة خمسة أيام من أول شهر حزيران وحتى الخامس منه .

قام ممثل المندوب السامي بجمع ممثلي الجماعات غير التركية عدة مرات وحاول إقناعهم بأن من مصلحتهم القبول بهيمنة الجماعة التركية على اللواء ولكنه كان يواجه باستمرار بالرد التالي : ” إن كانت فرنسا ترغب بمنح تركيا اللواء ، ,وإن كانت فرنسا ترضى بأن يحتل الجيش اللواء فهي حرة في خيارها ولكن عليها أن ترغمنا على هذا ونحن لا يمكن أن نسجل أنفسنا على أننا أتراك فنحن لسنا بأتراك “.

المرحلة الثالثة : القسم الأول

خلال الفترة الممتدة من شهر حزيران 1938 وحتى عام 1939 كان الكولونيل COLLET ممثلا، للسلطات الفرنسية في اللواء الذي صار يحمل اسم إقليم هاتاي وانتقل بسرعة من مرحلة شبيهة بالاستقلال إلى مرحلة الإلحاق بالجمهورية التركية.

لم يكن هناك من حجة قادرة على تعديل سلوك تلك المجموعات التي حافظت على ولاءها لطوائفها مقتنعة بأن فرنسا ستدعمها واستمر هذا حتى يوم دخول الجيش التركي إلى اللواء .

في يوم الثالث من حزيران من عام 1938 تم استدعاء ممثل المفوض السامي إلى باريس وعين مكانه الكولونيل كوليه . أكد الكولونيل أمام ممثلي المجموعات السكانية قرار حكومته تنفيذ اتفاق العاشر من آذار وأن قرار منح الأتراك الأغلبية النيابية هو قرار غير قابل للنقاش وأنه سيعتبر كل من يعارض تنفيذ هذا الاتفاق في موقع الخصم وأنه ينصح الجميع بتسهيل المهمة فائقة الصعوبة الملقاة على عاتقه .

جوبهت حجج الكولونيل بمعارضة قوية ورد عليه أحد قادة الاتحاد اللوائي قائلاً : إن استحالة تسجيل أنفسنا ضمن المكون التركي لا يختلف عن استحالة تسجيل نفسك بوصفك فرد في الأمة الألمانية .

 

تم تجنيد أفراد الدرك من بين صفوف أتراك اللواء ومارس الدرك كل أنواع الضغوط بهدف بلوغ نسبة 55% المستحيلة .

وخلال تلك الفترة تم إعلان حالة الطوارئ في تمام الساعة الرابعة عشر من يوم الرابع من حزيران ،وتم تسمية الدكتور عبدالرحمن مالك في منصب والي اللواء في حين عين ثريا بك خلف في منصب قائمقام أنطاكية وكلا الرجلين كانا من الأعضاء النافذين في بيت الشعب .

إذن استؤنفت العمليات الانتخابية ضمن هذه الظروف في منطقة أنطاكية، واشتدت الضغوط على السكان لمصلحة تركيا إلى حد دفع لجنة عصبة الأمم إلى إصدار بياناها رقم 14 احتجت فيه بمنتهى القوة على هذه الضغوط وأعلنت أن من حق كل شخص التسجيل ضمن الطائفة التي يختارها ، صحيح أن نسبة الأتراك ارتفعت قليلاً لكنها ظلت بعيدة جداً من نسبة 55%.

12 حزيران 1938: وفي خضم هذه الحداث افتتح في أنطاكية مؤتمر رئاسة الأركان الفرنسية-التركية المكلف بإعداد التعديلات على صيغة التعاون العسكري بين فرنسا وتركيا في لواء اسكندرون .

وصل الوفد التركي إلى أنطاكية يوم الثاني عشر من حزيران وعلى رأسه الجنرال هاشم غوندوز الأمر الذي وفر أمام السكان من الأتراك فرصة للتعبير عن ولائهم لتركيا .

وقعت في ليلة الرابع عشر من حزيران في مدينة أنطاكية في منطقة اتصال الأحياء العربية بالأحياء التركية جريمة قتل راح ضحيتها حمال تركي وعلى الرغم من عدم وجود أي دليل ضد زعماء الاتحاد اللوائي تم توقيف بعض الزعماء مثل زكي الأرسوزي وسليم خوري لكن في فجر اليوم التالي تظاهر نساء من العرب بكثافة ونزلن إلى حي عفان في محاولة لتحرير المساجين فقام رجال الدرك بإطلاق النار عليهن وقتلت امرأتان وتفرق الجمع .

22 حزيران 1938:على الرغم من تلك الإجراءات لم يقبل العرب بتسجيل أنفسهم على قوائم الأتراك الذين ظلت نسبتهم ثابتة الأمر الذي دفع حكومة أنقرة إلى إرسال مذكرة احتجاج إلى مدينة جنيف مشككة بأعمال اللجنة التي أرسلتها عصبة الأمم إلى اللواء وشعر أعضاء اللجنة أن جهودهم ستذهب سدى فقرروا تعليق أعمال اللجنة والعودة إلى اوروبا .

شعر سكان اللواء من غير الأتراك بأنهم لا يستطيعون الاعتماد على أحد، فزعمائهم فارون أو في السجن، والاتصالات مع حكومة دمشق مقطوعة ، والدرك يمنعون أي تجمع . وتم في يوم الرابع والعشرين من حزيران قتل عربيين في منطقة الجديدة قرب مدين السويدية وساد انطباع بأن دخول القوات التركية صار محتوماً فاتجه كل من يستطيع الفرار قاصداً سوريا مخترقين شبكة المراقبة المقامة على الحدود وخلال أقل من شهر قام أكثر من عشرين ألف شخص في منطقة العمق وفي مدينة اسكندرون بشكل خاص بمغادرة بيوتهم ومن لم يستطع الفرار رضخ للأمر الواقع وتبنى موقفاً سلبياً تجاه مصيره .

استمر مؤتمر رئاسة الأركان بقيادة الجنرال HUTZINGER في مبنى معهد أنطاكية ودام اثنان وعشرين يوماً ونتج عنه اتفاق كان من المقرر أن يظل سراً لكن الوقائع سرعان ما كشفت مضمون الاتفاق حيث حصلت تركيا على حق إدخال لوائي مدفعية وكتيبة فرسان إلى أراضي اللواء لقاء وعد بعدم تقديم أي امتياز إلى أعداء فرنسا في حال اندلاع صراع . إذن حصلت تركيا على ما يرضيها في حين نالت فرنسا وعداً ودياً .

وفي الساعة الخامسة من صباح الخامس من تموز 1938 عبرت القوات التركية الحدود واستقبلت بحماس من قبل السكان الأتراك في حين ظل غير الأتراك في بيوتهم أو في أحياءهم .تمركزت القوات في الشرق على امتداد الخط الواصل بين وادي قراتشو وبحيرة أنطاكية وحوض العاصي الأدنى في حين كان موقع القوات الفرنسية إلى شرق هذا الخط في مدن اسكندرون وانطاكية وقرق خان وكانت مكونة من قوات مختلطة .

المرحلة الثالثة : القسم الثاني

كان من المقرر ،من حيث المبدأ ، استمرار الاحتلال الفرنسي والتركي حتى قيام الحكومة الجديدة وبالتالي كان من الواجب استئناف العمليات الانتخابية التي تم قطعها إثر استقالة لجنة عصبة الأمم برئاسة M.REIMERS .

تم تشكيل لجنة جديدة فرنسية تركية ترأس الجانب الفرنسي الكولونيل كوليه في حين ترأس الجانب التركي السيد CEWAD ACIKALIN الوزير المفوض في الحكومة التركية، وقامت اللجنة بمتابعة عمليات التسجيل في كل المناطق التي لم تستطع لجنة عصبة الأمم أنجازها كما قامت بإعادة عمليات التسجيل في بعض المناطق التي أكد الأتراك حصول تحيز ضدهم فيها وبشكل خاص في ناحية منطقة الريحانية .

وبشكل عام تم انتقاء أعضاء اللجان الفرعية من بين صفوف الأتراك وبشكل خاص من بين المدرسين الذين برز تعاطفهم مع تركيا . كانت نتائج تلك العمليات في مصلحة تركيا بشكل فاق توقعات القادة الأتراك حيث قام المسيحيون الأرثوذكس وبعض المسلمين بتسجيل انفسهم على القوائم التركية دون احتجاج بعد أن شعروا بأن لا طائل من الممانعة .

ارتفع عدد الذين قرروا تسجيل أنفسهم بوصفهم أتراك بحيث صار من الضروري كبح جماح الأشخاص من مختلف الأصول الراغبين بتسجيل أنفسهم ضمن اللوائح التركية بهدف الحصول على بطاقة انتخابية تركية بحيث تكون بمثابة شهادة على تعاطفهم مع تركيا القادرة على حمايتهم وحماية ممتلكاتهم وعائلاتهم .

شهر آب 1938: بعد إنجاز تلك العمليات أصدرت اللجنة الانتخابية بتاريخ الثاني من آب القرار رقم 15 الذي منح الأتراك اثنين وعشرين نائباً بما يتوافق مع اتفاق آذار 1938.

القرار رقم 15:

إن اللجنة الانتخابية في لواء اسكندرون ترى أنه بالاستناد إلى قرارها رقم 13 المتعلق بإغلاق عمليات التسجيل الانتخابية في الساعة الثامنة عشر من يوم الأول من شهر آب وبعد فحص السجلات المرفوعة من المكاتب الانتخابية قررت :

أولا” :عدد الناخبين المسجلين هو وفق التالي :

1- الأتراك : 35847

2- العلويون: 11319

3- الأرمن: 5504

4- العرب 1845

5- اليونان الأرثوذكس 2098

6- غيرهم 359

ثانيا” :وبالتالي يكون توزيع ناخبي الدرجة الثانية وفق التالي :

1- الأتراك : 358

2- العلويون: 113

3- الأرمن : 55

4- العرب:18

5- اليونان الأرثوذكس :20

ثالثاً : يكون توزيع المقاعد الانتخابية في اللواء وفق التالي :

1- الأتراك : 22

2- العلويون: 9

3- الأرمن : 5

4- العرب السنة : 2

5- اليونان الأرثوذكس:2

رابعاً: ستقوم اللجنة بتاريخ الثالث من آب بتحديد توزع ناخبي الدرجة الثانية على الأقضية وفق نصوص المادة 34 من اللوائح الناظمة للانتخابات

وأخيراً وبعد رأت اللجنة الانتخابية أن عدد المرشحين متطابق تماماً مع عدد النواب المحدد لكل طائفة وفق القانون الانتخابي قامت بموجب القرار رقم 23 تاريخ 20 آب 1938 بتسمية النواب الأربعين في الجمعية التشريعية دون عملية اقتراع .

المرحلة الثالثة : القسم الثالث

في يوم الثاني من أيلول من عام 1938 اجتمع النواب الأربعون للمرة الأولى في صالة سينما أمباير في مدينة أنطاكية .

احتل الكولونيل كوليه ممثل الحكومة الفرنسية والوزير المفوض ممثل الحكومة التركية منصة الشرف في مواجهة الدكتور عبدالرحمن والي اللواء وضمت المنصة عدد كبير من المدعوين كان في عدادهم قناصل تركيا وإنكلترة في مدينتي أنطاكية و اسكندرون وتجمع في الخارج جمهور بلغ عدده عشرين ألف من الأشخاص المتحمسين وقامت المدفعية الجبلية التركية وفرقة الرماة المغاربة بإطلاق تحية الشرف .

وبعد كلمة الافتتاح التي ألقاها رئيس السن بدأت عملية انتخاب الرئيس ونائبيه وتم انتخاب السيد عبدالغني تركمان رئيساً كما تم انتخاب كل من السيد وديع كراباي وزين العابدين معروف نائبين للرئيس .

وبعد تأدية قسم الولاء للقانون الأساسي انتخبت الجمعية بالإجماع السيد طيفور بيك سوكمن رئيساً للواء وقررت أن الكيان الخاص الذي يمثله لواء اسكندرون سيحمل اسم هاتاي . ألقى الرئيس الجديد خطاباً قوبل بالكثير من التصفيق ذكر فيها جهود السكان الهادفة إلى نيل الاستقلال وعبر عن شكره للرئيس أتاتورك ولفرنسا بفضل

تمكنهم منحل مسالة اللواء بشكل سلمي ووضعوا أساس لتفاهم دائم بين فرنسا وتركيا

وتتالى نواب بعض المكونات للتعبير عن رضاهم بوضع حد لما عانته كل الطوائف وأنهت الجمعية جلستها بإقرار مذكرة شكر وعرفان لممثلي فرنسا وتركيا .

وخلال الجلسة التي عقدت بتاريخ السادس من أيلول من عام 1938 منحت الجمعية ثقتها لحكومة الدكتور عبد الرحمن مالك وأقرت شكل علم إقليم هاتاي وكان مستوحى من ألوان العلم التركي باستثناء النقطة الحمراء ضمن النجمة البيضاء .

ومن المهم هنا الإشارة إلى أن أعضاء الحكومة الجديدة المكونة من خمسة وزراء لم يكونوا من النواب بل كانوا أتراك من أصول لوائية درسوا في تركيا وكان هناك بعض مساعدي الوزراء من الطوائف الأخرى لنهم لم يمتلكوا أية سلطة .

تميز سلوك هذه الحكومة بالخضوع المطلق لحكومة أنقرة وكانت الأوامر ترد عبر قناصل تركيا في اللواء وكانت تنفذ على الفو،ر وبقول آخر حلت الحكومة التركية بشكل غير مباشر محل سلطة الانتداب التي أقرتها عصبة الأمم .وكان من أول إجراءات هذه الحكومة تسريح التقنيين الفرنسيين من مختلف المصالح الإدارية فتم صرف السيد M. COSTE مفتش الأشغال العامة والسيد M. MERLAT قيم المتحف والسيد M. BRUNET ريس ورشة النقل العام والسيد WELHEM عضو المحمة العليا في اللواء والسيد NAUGAIN عضو المحمة العليا في اللواء والسيد De BAUBRUIN عضو المحكمة العليا في اللواء والسيد SPINER من المحكمة العليا في اللواء والسيد RONIEU المكلف بالإشراف على مرفأ اسكندرون السيد BAZANTAY مفتش التعليم .

كان من الواضح أن هدف هذه الإجراءات هو إنهاء النفوذ الفرنسي وترافقت تلك الخطوات بالتعبير عن مشاعر الصداقة تجاه فرنسا ، وكانت هناك بعض الإجراءات التي بدت خرقاء لكن حكومة هاتاي اعتبرتها مجرد سوء تفاهم وظلت إدارة الجمارك المرتبطة بالحكومة الفرنسية هي العائق الأخير أمام الهيمنة التركية لكن تم التخلي عنها لصالح حكومة هاتاي بتاريخ 20 أكتوبر 1938 ، واختفت مهابة فرنسا إلى حد أن صف ضابط تركي قام في يوم والعشرين أيلول 1938 بقتل الملازم الفرنسي CHABOT بطلقات من مسدسه في شوارع أنطاكية إثر خلاف عادي ولم يبد الناس أي مظاهر للتنديد بهذا العمل لكن هذه الفعل أزعجت الضباط الأتراك

الذين أبدوا أسفهم عما حدث أمام الكولونيل كوليه . لم يلق الملازم مصرعه على الفور وكان بحاجة لعملية نقل دم وتطوع ضابط تركي لتقديم دمه لكن عرضه قوبل بالرفض لأنه كان بلا جدوى ولم يردني أي خبر عن توقيف القاتل أو معاقبته.

وبمناسبة الجلسة الافتتاحية للجمعية التشريعية التي عقدت في الثاني من أيلول قام رئيس الجمعية بالتعبير عن فائق امتنانه لتركيا ولزعيمها الرئيس أتاتورك دون أن ينسى ذكر بعض عبارات المجاملة تجاه فرنسا . وفي الأول من تشرين الثاني 1938 تم تنفيذ خطوة إضافية عمقت الهوة التي تفصل بين فرنسا واللواء عندما اقتصرت مشاعر الامتنان التي عبر عنها الرئيس طيفور بيك سوكمان على ذكر الدور التركي حيث قال في خطاب افتتاح الدورة البرلمانية ” وكما سبق لنا القول في العديد من المناسبات فإن هاتاي الذي كان منذ عشرين سنة مسرحاً للعديد من الأحداث حصل في النهاية على مطالبه بفضل إرادة المنقذ العظيم أتاتورك التي لا تفل .

واستمرت مسيرة إلحاق هذه المنطقة بالجمهورية التركية دون عوائق وسرعان ما تراجع النفوذ الفرنسي من كافة مجالات النشاطات وبشكل خاص في القطاع التعليمي حيث تراجعت مكانة التعليم باللغتين العربية والفرنسية إلى الحدود الدنيا .

وباختصار في يوم 30 تشرين الثاني من عام 1938 اندثر النفوذ الفرنسي ويمكن تسجيل النقاطة التالية الدالة على هذا :

1 – فيما يتعلق بأجهزة المهام الخاصة انقطعت صلات ضباط هذه الأجهزة من السلطات وحتى مع السكان الذين صاروا يتحاشونهم بهدف عدم الإساءة إلى أوضاعهم في نظر أتراك إقليم هاتاي .

2- لم يعد لممثل المفوض السامي سلطة مراقبة القرارات الحكومية أو الإدارية .

3- تم في نهاية شهر تشرين اول 1938إعادة المستشارين الفرنسيين العاملين في المحكمة العليا إلى إدارتهم الأصلية .

4- تم في بداية شهر تشرين أول 1938 إعادة مفتش التعليم العام فرنسي الجنسية إلى إدارته الأصلية بناء على طلبه .

كما تم استبدال اللغة الفرنسية المستخدمة في التعليم الثانوي لتدريس العلوم وحلت اللغة التركية محلها كما تم إلغاء اللغة الفرنسية من مرحلة التعليم الابتدائي الرسمي

كما تم إلغاء المنح المقدمة إلى طلاب الدراسات العليا في جامعة السوربون وفي المعاهد العليا الفرنسية وتم استدعاءهم إلى اللواء .

تلك كانت نتائج اتفاق العاشر من آذار من عام 1938 وفي شهر كانون الأول من عام 1938 لم يتبق من آثار القوة الفرنسية سوى الاحتلال المختلط التركي الفرنسي ولم يبق سوى القيام بخطوات بسيطة لكي يقوم برلمان الأربعين نائب لإعلان إلحاق اللواء بتركيا عام 1939.

قام الكولونيل كوليه مثل زملاءه السابقين بواجبه على قدر استطاعته وهو اتبع ما أملاه عليه ضميره كما اتبع أوامر رؤسائه ويكمن خطأه في أنه توهم مثل الكثير من الفرنسيين بأن تركيا ستقبل حالة شبه الاستقلال في اللواء .واجهت أساليب كوليه القمعية نقداً من البعض ،وبشكل خاص من أعضاء الجماعات غير التركية في اللواء، لكن إذا افترضنا أن الحكومة الفرنسية قررت منح تركيا حق لتدخل المستمر في شؤون اللواء قبل السماح لها بضمه فإن النهج الذي سار عليه كوليه مثل الطريق الوحيدة لتنفيذ هذا دون سفك الكثير من الدماء في حال حدوث مجابهة بين الأطراف المتناحرة .

إذن يجب عدم إلقاء اللوم على الأفراد الذين كانوا في موقع الحدث مكلفين بالتنفيذ لأن الأحداث الدولية أدخلتهم في دوامة لم يكن بإمكانهم الخروج منها .

الخلاصة :

لا مجال لإنكار أن فرنسا بوصفها الدول المنتدبة قد أنجزت في الشرق مهمة إنسانية لكن فيما يتعلق بالصراع في لواء اسكندرون ارتكبت حكومتنا التي كانت قائمة وقتها خطأ.

إن وجهة النظر التركية لها مبرراتها حتى ولو كانت أساليبها الدعائية قابلة للنقاش كما أن وجهة النظر السورية لها ما يدعمها حتى ولو اتصف أنصارها بالخرق أما وجهة النظر الفرنسية فقد افتقدت للوضوح حيث أن رغبتنا في إرضاء سوريا وتركيا في آن معاً ولدت انطباع بالافتقاد للعزم الأمر الذي أربك البلدان الأخرى كما أربك عصبة الأمم .والأمر الذي لا يغتفر هو الخفة التي تعاملت بها فرنسا وتسببت بالإضرار بمن منحوها ثقتهم . ما هو مبرر بذل الوعود إن كنا لا نمتلك الحزم اللازم للإيفاء بها ؟

إن من شاهدوا الأفلام التي نقلت صور الأرمن والمسيحيين العرب وعائلاتهم وهم مكدسين في الشاحنات قاصدين مدينة حلب أو اللاذقية قبل ضم اللواء إلى تركيا سيحتفظون بذكرى مؤلمة لأول قوافل من النازحين وهو مشهد محزن سيطلع عليه العالم قريباً .

وأخيراً نقول أنه من الصعب رد الطرح السوري الذي يمكن تلخيصه بالعبارات التالية :

إن فرنسا كلفت من قبل عصبة الأمم برعاية سوريا ومن موقعها هذا لم يكن عليها التصرف بأملاك ربيبتها لأن هذا لا يخدم الديبلوماسية الفرنسية .وبما أن فرنسا استلمت مهمتها بتفويض من عصبة الأمم فكان حري بها إعادة الأمر إلى هذه الهيئة ولم يكن عليها التصرف وفق ما تراه هي دون موافقة سوريا .

وإن كانت الأحداث الدولية قد منعت فرنسا من استخدام جيشها لحماية اللواء فكان من الأفضل مواجهة احتمال وجوه مجابهة بدلاً من التراجع بعد استقالة اللجنة التي شكلتها عصبة الأمم، فخلال مسار التاريخ من الوارد أن يطرح الموضوع أمام القانون الدولي لمعرفة القواعد القانونية الراسخة التي تمت على أساسها عملية نقل تبعية تلك الأراضي . إن الجمعية التشريعية في هاتاي التي أعلنت الانضمام إلى تركيا لا يمكن القول أنها كانت منتخبة حقاً لأن اللجنة التي شكلتها عصبة الأمم منعت من إنجاز مهمتها . ولا يمكن حل المشكلة التي تسببت بها فرنسا نتيجة للأحداث التي هزت أوروبا عامي 1937-1938 من خلال التعامل وفق أسس قانونية مزعزعة إلا من خلال مفاوضات حرة بين سوريا وتركيا .

 

Related posts

تصحيح المسار

admin

قراءة في كتاب إیران وسوریة عناق البنادق والشرف

admin

“واقع الفن التشكيلي ومشكلاته” في ندوة

admin

Leave a Comment