5 C
Damascus
12/07/2020
المركز الوطني للأبحاث واستطلاع الرأي
Image default
الندوات رئيسي نشاطات

فكرة التقدم ومآلاتها السياسية والاجتماعية والفكرية

التقدم مفهوم تنازعت تعريفه العقائد الغربية المختلفة منذ مطالع عصر التنوير الأوروبي، فصار  مقياساً ومؤشراً لنجاحها في تحقيق تفسيرها لمشكلات مجتمعات ما قبل الحداثة وما بعدها. تبنته الرأسماليات والاشتراكيات المختلفة سواء من منطوق علمي محض أو من منظور نجاعته في خدمة الإنسانية.
والتقدم في المجتمع العربي كان أكثر من شعار تبنته الكثير من الأحزاب والجماعات خلال خمسينيات القرن المنصرم، فصار لزاماً عليها في أحيان كثيرة أن تقدمه كترياق لمشاكل تخلف مجتمعات عاشت لقرون تحت سطوة الاحتلال العثماني. ثم لما جاءت نكسة حزيران وما تلاه من الصعود الإسلاموي في الشرق العربي أصبح مفهوم التقدم مرتبطاً بالصراع الفكري بين “يمين” و “يسار” يسعى كل منهما إلى تقديم وصفته لحل قضايا المنطقة. ولما أطل “ربيع الموت” على مساحة الجغرافيا العربية، كان لابد من العودة إلى إعادة تقديم المفاهيم بشكل أعمق، لأن الصراع الذي كان مقدراً لهذا الربيع أن ينتجه كان بشكل أساسي صراع قيم.

وإدراكاً من هيئة إدارة المركز الوطني للأبحاث واستطلاع الرأي بأهمية إعادة فتح النقاش في هذا الموضوع بشكل علمي ومنهجي، دعا المركز إلى عقد ندوة حول فكرة التقدم ومآلاتها الفكرية والاجتماعية والسياسية. أدار الندوة د. عبد اللطيف عمران، مدير عام دار البعث وشارك في تقديم أوراقها د. محسن بلال و د. مهدي دخل الله عضوا القيادة القطرية في حزب البعث العربي الإشتراكي، والسيد حنين نمر أمين عام الحزب الشيوعي السوري الموحد، وشارك في مداخلاتها د. إنصاف حمد ود. عقيل محفوض الباحثان في مركز دمشق للأبحاث والدراسات والسيدة ديانا جبور مدير عام مؤسسة الانتاج التلفزيوني، والسيد أحمد ضوا مدير عام الوكالة العربية السورية للأنباء والدكتور يحيى الناصح الباحث في وزارة الأوقاف ومحمد كنايسي رئيس تحرير جريدة البعث وبسام هاشم مدير التحرير في الجريدة.

الجلسة استمرت لأكثر من ساعتين، تخللها نقاش واسع حول المفهوم، ولعل د. عبد اللطيف عمران مدير عام دار البعث، بإدارته للجلسة، قارب الحقيقة عندما أكد في بداية الندوة: “إن مفهوم التقدّم ليس إشكالياً من حيث المصطلح فقط، بل هو إشكالي من حيث الفكرة، والظروف الراهنة أضفت عليه المزيد من الإشكالية”، وأوضح أن هناك فرقاً بين التقدّم والتقدمية، فالتقدّم يمكن أن يكون صناعياً أو علمياً ويؤدي إلى حروب ودمار، أما التقدمية فهي رؤية مقترنة بالنزعة الإنسانية، وبالعلمية، وبغياب الميتافيزيقيا.

تناولت ورقة حنين نمر أمين عام الحزب الشيوعي السوري الموحد فكرة التقدم قائلاً فيها:

إن الاهتمام بالميدان الإيديولوجي والفكري أصبح من الضرورة بمكان أن نعيره انتباهاً أكبر لأنه لا يمكن أن يقوم أي تقدم أصلاً  دون أن يكون له حامل إيديولوجي فنحن اليوم بحاجة ماسة أكثر من أي وقت مضى لتعزيز البنيان الفكري في عقولنا ونحن نواجه أخطر وأشرس هجوم امبريالي رجعي في العالم ،أما فيما يتعلق بالأزمة التي نعيشها الآن  أضاف نمر، إن أحد العوامل التي شجعت عليها هي التخلف والجهالة الفكرية التي لا يمكن تصورها والتي وصلت إلى درجة الوحشية وأحد الأسباب الأساسية أننا لم نتمكن من تكوين تيار تقدمي عريض يستند إلى أحدث ما أوجده الفكر البشري من أفكار ونظريات وتحليلات لأن إزالة هذا العنصر الجهالي في عقول الكثيرين ممن نفذوا هذه المؤامرة وهذا أمر مهم جداً أي الحاضنة التي نحن نعاني منها ونشكو من أن الولاءات التي يفترض أن تكون إلى جانبنا ليست إلى جانبنا ونعزي فيما نعزو من أسباب إلى قصور في الاهتمام الفكري والأيديولوجي عند الناس.

ويعتقد حنين أن الحديث الآن عن التقدم هو في سياق صحيح عندما نربط مسألة التقدم بتاريخ نشأته ونربطه بالعوامل التي أوجدت وشجعت هذا المفهوم على أن يطرح على بساط البحث، يرتبط بشكل كبير مع الواقع الميداني ومع المهمات الحياتية المعيشية التي تهم البلد كبلد ،أي  لايمكن الإغراق في البحث المجرد لموضوع التقدم، بل يجب أن يترافق مع انعكاساته الواقعية على الأرض وهكذا يمكن أن يتكامل البحث , نشأ مفهوم التقدم في القرون,السادس عشر والسابع عشر والثامن عشر عندما  بدأ التدرج في الثورات العلمية والتقنية وغيرها من الثورات آنذاك التي خلقت عملياً الأساس المادي لنشوء النظام الرأسمالي والرأسمالية أيضاً كفكر، فيمكن اعتبار أنه من القرن الثامن عشر فصاعداً نشأت الرأسمالية أي نشأت منذ حوالي 300 سنة وهذه الانطلاقة الثورية الصناعية الكبرى في تلك القرون تتصف اتصافاً يختلف تماماً عن الوضع الاقتصادي الذي كان موجود قبلها . بعد الثورة الصناعية أخذت مفاهيم التطور والتقدم بعداً وزخماً قوياً إلى الأمام بمعنى أن الثورة الصناعية نفسها أدوات التقدم العلمي هي بذاتها تستدعي مزيداً من التطور وتوفير عوامل النجاح لذلك هذه الرأسمالية التي في بدايتها كانت آنذاك استدعت البحث عن عوامل تزيد من قوة الرأسمالية وتنميها بسرعة أكبر ومن هنا جاءت الغزوات أي الاحتلالات التي قامت بها الإمبراطوريات الرأسمالية آنذاك سواء البرتغالية أو الاسبانية أو الفرنسية كلها ساهمت مساهمة كبيرة في نهب ثروات شعوب العالم الثالث التي استعمرتها ,وهنا الانطلاقة الحقيقية للرأسمالية لأنها وفرت الثروات أي الرساميل والمواد الأولية اللازمة، فــ الرأسمالية تطور نفسها لكن عبر آلية معينة ,هناك خمس تشكيلات اقتصادية كما هو معروف كانت كل تشكيلة تتوافق مع درجة معينة من علاقات الإنتاج وعلاقات الإنتاج يجب أن تفسح مجالات للقوة المنتجة التي تنفذ مصالح الطبقة الرأسمالية المالكة فهذا الانتقال من علاقات إنتاج معينة إلى علاقات إنتاج أقوى كان هو الهدف، لكن عملياً لا تستطيع علاقات الإنتاج أن تواكب متطلبات القوى المنتجة لذلك يحصل شرخ كبير بين علاقات الإنتاج وقوى الإنتاج يؤدي إلى نمو قوى إنتاج جديدة تترابط مع علاقات الإنتاج.

هذه القوى الجديدة هي التي تحمل مفهوم التقدم النسبي وهذا التقدم النسبي في تطور القوى المنتجة الذي ثبت مصالح الرأسمالية في العالم كله هذا الموضوع تعاقب التشكيلات الاقتصادية والاجتماعية هو عنصر يعرفنا كيف ينشأ التقدم في كل قارة وبلد بطريقة أو بأخرى. الآن تحدثنا عن هذه التشكيلات وكيف تتبدل باتجاه ترسيخ المصالح الرأسمالية أكثر فأكثر التي هي آنذاك تقدمية بالنسبة للإقطاع وأيضاً الإقطاع كان تقدميا ًبالنسبة لعصر الرق وهكذا الآن نحن أمام سؤال هل هذه التشكيلات الاقتصادية والاجتماعية تنتقل من نمط إنتاج إلى نمط إنتاج آخر عفويا أوتسلسلياً هذا ليس كلام دقيق تماماً فكل تشكيلة اقتصادية تحمل في باطنها أكثر تطوراً منها وهنا ربما يطرح سؤال إذا كان كل نمط إنتاجي أو كل تشكيلة اقتصادية تكون أكثر  تقدمية من التشكيلة التي سبقتها. سيتساءل كثيرون عن حسن أو سوء نية لماذا يفترض أن الرأسمالية أكثر تقدمية وحضارة؟و لماذا هذه التجربة قد سقطت قبل أن تسقط التجربة الرأسمالية أو النظام الرأسمالي ,هنا لا نعتقد أن سقوط هذه التجربة هو ليس  قاعدة ليبنى عليها ,وهنا للإجابة على هذا السؤال الذي يتردد كثيراً كان هناك مجموعة من الملاحظات أولها أن الرأسمالية في مراكزها الكبرى قد استمدت أسباب وجودها من حملاتها الاستعمارية في العالم الثالث أي نهب ثرواته من المواد الأولية والسيطرة على الأسواق ,أما الاشتراكية لم تسقط كمبادئ أو فكر ,ولكن الاشتراكية لا تزال حية في ربع الكرة الأرضية على الأقل ,ثالثاً حوالي نصف البشرية ما تزال تناضل وتطمح لتحقيق الاشتراكية بصرف النظر عن تنوع نظرياتها وليست الحركة الشيوعية في العالم فقط تتبنى شعار الاشتراكية إنما هناك العديد من الأحزاب الوطنية والقومية تتبنى فكرة الاشتراكية بصرف النظر عن مشاربها المختلفة هناك هدف عريض هو الاشتراكية يفهم بأشكال مختلفة تم تبنيه وفق رؤى وظروف مختلفة وظروف معينة من كل بلد على حدا ولكن مجرد اعتناق الاشتراكية هذا يعني القطع مع الرأسمالية وإن كانت الرأسمالية حتى في قلب البلدان الاشتراكية تظهر وتؤثر ولكن هذه ليست قاعدة ,رابعاً أزمة الرأسمالية حقيقية وقائمة ولكن هذا ل ايعني أنها ستنهار غداً أو أنها قيد الانهيار ,الرأسمالية هي غول كبير ومصدر قوتها الأساسية هي أنها تهيمن على  ثلاثة أرباع الكرة الأرضية ليس من السهولة أن تنهار خلافًا لبعض التحليلات الساذجة الغارقة في الحلم التي تعتبر أن الرأسمالية انتهت ويجب إعمال العلم هنا لنتعرف على الأسباب الحقيقية لاستمرار الرأسمالية وإمكانية انهيارها لنناضل من أجل تحقيق هذا الانهيار.

وأعقب د. عبد اللطيف عمران رئيس هيئة التحرير في دار البعث قائلاً: إن  الواقع  في مدارس التحليل الاجتماعي القواسم المشتركة حول مفهوم التقدم أقل سطوعاً للتباينات ،فلذلك حالياً في الميديا وأجيال اليوم في الشارع العالمي لم يعودوا ينتظروا حسم السجال النظري في مفهوم التقدم ،فأجيال اليوم في نزعة نحو التحرر من أسطورة التاريخ المتوحشة  واللجوء إلى التغيير وهذه قادتها البنيوية و الحداثة،أي الاستجابة لمطالب الفكر النضالي نحو التغيير بغض النظر ما إذا كان التغيير سلبي أم إيجابي .

وتضمنت ورقة  د.محسن بلال عضو القيادة القطرية للحزب-رئيس مكتب التعليم العالي أفكاراً أوضح فيها أننا نمر بأزمة كبرى،فالتقدم والتقدمية التقدميين في أزمة حياة أو موت.وهناك مجموعة من الأمثلة التي تحدث عنها والتي تخص في  أكثرها الحزب الشيوعي ،فالمشروع الشيوعي  التقدمي في المنطقة لم يكتب له النجاح ربما لأسباب موضوعية. وطرح بعض الأمثلة عن سبب وصول  الحال في  بلدنا وغيره من البلدان في منطقتنا إلى ما وصل إليه.

وكانت أول الأمثلة  التي أوردها د.بلال هي عن الحزب الشيوعي الإيطالي الذي أسسه انطونيو غرامشي عام 1921،والذي  برز كحزب مارد إذ وصل عدد ناخبيه عام 1977 بعد انتصار فيتنام إلى 12 مليون ناخب إيطالي ينتخبون الحزب الشيوعي الإيطالي بزعامة إنريكو برلينغوير في حينه والذي أسسه العظيمين فيه توليتانيو وغرامشي.والذي أمسك بأموره السياسية فيما بعد برينيغور وطرح ما يسمى بالتسوية التاريخية مابين الكتلة الكاثوليكية (المسيحيين الديمقراطيين)، وما بين الكتلة العلمانية الشيوعية الاشتراكية.

وأضاف د.  بلال لا يوجد أدنى شك  أن تلك التسوية التاريخية التي طرحها برينيغور جاءت بتيار شبابي من الطرف المحافظ المسيحي إلى صفوف الحزب الشيوعي،وآنذاك حصل الحزب الشيوعي الايطالي على 12 مليون ناخب تخوله حكم إيطاليا،العضو في حلف الأطلسي والتي يوجد فيها مقر حلف الناتو في نابولي.ولكن على الرغم من هذا العدد الكبير في أعداد الناخبين سقطت إيطاليا بيد الشيوعيين الماركسيين اللينينيين.

ونوه د.بلال إلى أن  الموضوع الهام هو أن هذا الانتصار الكبير كان لشيوعيي إيطاليا،ولكن للأسف الشديد قامت دولة عربية نفطية  بالتدخل لدى الأمريكيين ودفعت أموالاً  كي لا يحكم إيطاليا الحزب الشيوعي الإيطالي.وهكذا أُبعد الشيوعيون عن الحكم في إيطاليا والتي كانت تمثل  المرتبة الثانية بالعظمة بعد الحزب الشيوعي السوفييتي ويليها في المرتبة الثالثة الحزب الشيوعي الفرنسي.

مضيفاً أنه بعد تلك النكسة التي أصابت الحزب الشيوعي الإيطالي بات من الاستحالة أن يحكم الشيوعيين،الأمر الذي جعل الحزب الشيوعي يدعو لندوة نظرية تناظرية بين نقابة العمال في إيطاليا والتي كانت معروفة ولها أهميتها ،والتقى العمال بقيادة الحزب الشيوعي النظرية والميدانية والتي كان لها باع طويل بالقتال والنضال منذ عام 1921 وحتى أعتاب الثمانينيات،وطلب الحزب الشيوعي إعادة النظر بتكتيكاته بعد استحالة بأن يحكم،وعمد التوجه الجديد للشيوعيين الطليان إلى تقبل ما يسمى التسوية التاريخية ، لكن للأسف تلقت نظرية العمل على نوع من جبهة تجمع مابين الكتلة الكاثوليكية والكتلة العلمانية ضربة قوية جداً باغتيال آلدو مورو، وبروز الألوية الحمراء.

وحسب رأي  د.بلال تمثل الألوية الحمراء اليوم تماماً داعش والنصرة ،فالألوية الحمراء المسلحة  التي ظهرت  ضربت هذا الانفتاح الذي تم بين الكتلتين الكاثوليكية (المؤمنة )،والكتلة العمالية العلمانية الشيوعية الماركسية اللينينية ،وبرزت هذه الكتلة وحسبت على التيار الماركسي اللينيني الثوري ،ألوية حمراء باسم ماركسية تماماً مثل الإرهابيين الذين قاموا باستغلال الإسلام من أجل بناء الدولة الاسلامية “داعش”.

وتابع قائلاً :ظل الحزب المسيحي الديمقراطي يتقدم مدنياً وتقترب الكتلة الاشتراكية الشيوعية من الكتلة الكاثوليكية لدرجة أصبح هناك تقارب بينهما وقاموا بطرح التسوية التاريخية، وعندما وصل الأمر إلى درجة أنهم سيحكمون إيطاليا باسم التقدم سواء كان التقدميين من المتدينين والمؤمنين والتقدميين من الماركسيين والاشتراكيين.جاءت الألوية الحمراء،قوى ما بعد الثورية وضربت التسوية التاريخية والتعاون والائتلاف مابين الكتلتين العظيمتين ، الاشتراكية الشيوعية من جهة والكاثوليك المسيحيين الديمقراطيين والاشتراكيين الديمقراطيين من جهة ،وليقضى بذلك على الجنين التقدمي الشعبي في إيطاليا.

انتقل د. بلال بعد ذلك للحديث عن الحزب الشيوعي الفرنسي بالقول كان على رأس الحزب الشيوعي الفرنسي شخصية عالمية جداً جورج مارشيه الذي كان يقود التيار الماركسي اللينيني الستاليني في فرنسا، وكان يحتل  الحزب الشيوعي الفرنسي المرتبة الثانية  بعد الحزب الشيوعي  الإيطالي والمرتبة  الثالثة موسكو روما باريس بالنسبة لتقدم الماركسية اللينينية والثورية.

مع الأسف بعد النكبة التي مُني بها الحزب الشيوعي في إيطاليا،ضُرب الحزب الشيوعي الفرنسي. متسائلاً ونحن في القرن الحادي والعشرين ما الذي يجري في فرنسا؟.

كانت الكتلة الاشتراكية داهمة في فرنسا،وكان جورج مارشيه يمثل القائد التاريخي للاشتراكية الدولية في العالم،وكان لديه الملايين من المصوتين والراغبين.

وحزب جورج مارشيه اليوم في فرنسا يخلف الرئيس الفرنسي السابق هولاند الذي أنزل جورج مارشيه والاشتراكيين الفرنسيين إلى الحضيض ، ليس هو كفرد بل قيادة  الحزب الاشتراكي الفرنسي ككل، فـ هولاند الذي كان الأمين العام للحزب الاشتراكي الفرنسي ورئيس جمهورية يصل بشعبيته إلى 9 في المئة، وبتاريخ كل فرنسا والغرب لا يوجد رئيس جمهورية وصل إلى هذه الشعبية المتدنية.

كما كان وضع الاشتراكيين في الانتخابات الفرنسية الأخيرة مزر للغاية، وكذلك هو الحال بالنسبة  للشيوعيين الذين  لم يكن لهم اسم مع الأسف وإن كان جان لوك ميلانشون يمثل ما تبقى من اليسار الذي حاز على  11 مقعداً في الانتخابات الفرنسية الأخيرة،وكذلك هو الحال مع خليفة كل الماركسيين اللينينيين في فرنسا،وخليفة جورج مارشيه وخليفة ميشيل روكار.

الأمر الجديد في فرنسا هو أن الفاشيست  كانوا على أمل أن يأخذوا محل الشيوعيين والليبراليين والمسيحيين الديمقراطيين. كما تلقت زعيمة اليمين المتطرف  مارين لوبان ضربة قاصمة في الانتخابات الأخيرة بحصولها على نسبة قليلة من الأصوات .

الأمر المفاجئ في فرنسا أن الطبقة العمالية الفرنسية والأدباء الفرنسيين واليسار الفرنسي الذين يمثلون مدرسة في العالم بدؤوا بالتراجع ليظهر ماكرون ويمسح تاريخ هذه الأحزاب جميعها، وليكون ممثلاً عن البنوك وعن الرأسمال (القذر).

مضيفاً أن النتيجة التي وصلنا إليها هي أزمة حياة أو موت،ويجب علينا أن نقوم بدراستها على كافة المستويات لأننا أمام عالم جديد تقوده التكنولوجيا والمعلومات والاستخبارات ،فالموضوع هو على مستوى العالم كله.

لا أعرف نظرياً ما هو الحل؟ ولا العلاج ولا كيفية الخروج من هذا المأزق وما هو الطريق الذي يجب علينا أن ننتهجه لنرجع للشعوب قيمتها.

أما في أمريكا القوة  العظمى في العالم التي لها  قواعد عسكرية  بـ 198 دولة في العالم والتي يقودها شخص أرعن لا علاقة له بالدولة  وتقودها أيضاً المخابرات ومعامل السلاح ،الأمر الذي يشكل خطراً على السلام العالمي.

وانتقل د.بلال بعد ذلك للحديث عن الوضع العام في سورية قائلاً كانت سورية عام 2011 دولة واعدة بالإصلاح والحضارة والديمقراطية والسيادة ،وتمتلك احتياطي  ضخم في البنك المركزي مخصص للأجيال القادمة،لتتعرض إلى أخطر حرب وحشية تشن عليها من قبل إرهابيين متوحشين محميين توافدوا إليها من جميع أصقاع الأرض، وهم مرتزقة يقدم لهم السلاح من دول ذات سيادة وقوى عظمى وكل قوة لها حصة فيهم .وهؤلاء الوحوش عبارة عن أدوات لعقول امبريالية ضخمة تماماً مثل الألوية الحمراء  التي ظهرت في ايطاليا في السبعينيات.

موضحاً أن  السؤال المهم  اليوم ماذا يتوجب علينا القيام به، وكيف نحصن أولادنا والأجيال القادمة كي يعيشوا بسلام .السلام الذي نريده اليوم هو سلام اجتماعي وكذلك سلام بين الدول وبين  العالم لأن كل ذلك سيكون ضد النظرية الأمريكية المتوحشة ،فهؤلاء الإرهابيين حسب د. بلال هم جزء من التوحش الامبريالي الأمريكي.

والرسالة التي وجهها د.بلال في ختام حديثه هي لشباب اليوم وكيف يجب عليهم أن يحصنوا  أنفسهم وطنياً وعلمياً ،وما يجب أن نتطلع إليه هو كيف سنعيش بكرامة وبوحدة وبسيادة هذا هو التحدي. ويجب علينا كتقدميين وعلى كل الشرفاء والنبلاء العمل بوعي ووضع خطة لنحمي أنفسنا ووطننا وبلدنا.

تحدث د “مهدي دخل الله” مسؤول الإعلام والثقافة في القيادة القطرية، من منطلق انتولوجي، بمعنى علاقة التقدم بالوجود البشري وليس بتيار معين أو بطبقة معينة أو بإيديولوجيا معينة، وركز بحديثه على ثلاث  نقاط:

وهي: مفهوم التقدم وأهدافه و مشكلة قياس التقدم أو المعايير

  • المفهوم

قال دخل الله بشكل عام التقدم معناه الاعتقاد بأن الواقع الحالي ينبغي أن ينتقل إلى واقع أفضل لكن هذا الواقع الأفضل للأسف  افتراضي، أي أنه  يجب أن ينتقل من حالة موجودة إلى حالة افتراضية وفق شرطين: الشرط الأول أن يصيب هذا التحول أركان الواقع بكامله، وليس مجرد جزء منه إلى الواقع الافتراضي  بمعنى جميع مكونات المجتمع والطبيعة، لأن علم التكنولوجيا يعمل بالطبيعة وليس فقط بالمجتمع.

  • أن يكون هذا التحول قانوناً مستمراً للوجود وفق المدرسة الأساسية الهيغالية حول المنطق الجدلي، قانون النفي ونفي النفي كأساس لدينامية التاريخ، المشكلة الحقيقية في هذا المفهوم وفي العلوم الإنسانية وعلوم المجتمع، المفاهيم من الصعب تحديدها، فكل تحديد وكل تعريف هو قاصر بالضرورة.
  • المشكلة الأساسية هنا في سيطرة الجبرية( determinism) على الفكر والتصور، هذه الجبرية تستند إلى أنه هناك فكرة مسبقة يجب أن نصل إليها، وهي أن المجتمع الذي نراه تفضيلي الذي يجب أن نتقدم إليه، أي أن المجتمع القادم هو موجود في الفكر وفي التصور سلفاً، وهذه من أكبر المشاكل لأن هذا يعني أن التقدم في الحقيقة ينطلق من الخيال أكثر مما ينطلق من الواقع، وبالتالي فإن هذا المفهوم هو مفهوم تأملي وهو أيضاً مفهوم لا يعترف بالتناقضات، لأن كل المفاهيم التأملية هي مفاهيم انسيابية تعتبر دينامية التاريخ بأنها تتحول تلقائياً ولا تعترف بما يُسمى بـ” سايبرنتيك، أي بالاضطراب  لذلك هذه المشكلة أساسية في التقدم.

أما بالنسبة للهدف، أهداف التقدم وهنا طرح دخل لله مجموعة من الأسئلة

وهي:  هل التقدم يسير باتجاه ( الوجود الفاضل) المتصور أم أن هناك تقهقر؟  من يستطيع أن يثبت أن القرن العشرين أفضل من القرن الخامس عشر مثلاً؟ إذاً هل العالم يتقهقر أم يتقدم عملياً، خاصة وأننا نعرف أن التقدم قد يوصل إلى فناء العالم وهناك دراسات أكيدة أن الهند عاشت ما قبل التاريخ أو قبل آلاف السنين حرباً نووية أدت إلى دمار البشرية، فهل نحن فعلاً نتقدم نحو المجتمع الأفضل أم نتقدم نحو الفناء؟

  • ما هو هذا الوجود الفاضل؟ هل هو المجتمع الشيوعي؟ أم هي (مملكة الله) كما كان يعتقد توما الأكويني أو أوغسطين المقدس؟

-هل هو المجتمع”الخضوع الخالص لله” كما يرى الإسلام؟

– أم هو مجتمع الوفرة والحرية كما يؤمن الليبراليون؟…

– هل هو تحقيق” الفكرة المطلقة” التي رأى فيها هيغل هدف التاريخ؟

 –  أم هي ” النيرفانا” أي السعادة الأبدية والخلاص الأخير كما تصر البوذية؟

كيف نتجه نحو شيء عليه اختلاف، نختلف به رغم أنه تصور تأملي؟

  • هل هي جمهورية أفلاطون حيث يحكم الفلاسفة أم ” المدينة الفاضلة” في تصور توماس مور؟ أم هي القمة التي ما فتىء “سيزيف” يدفع صخرتها نحوها لاكتشاف الحقيقة، إذاً المشكلة ليست في مشكلة التعريف فقط وإنما في مشكلة الأهداف أيضاً، تحديد الأهداف، الأهداف مُختلف عليها وليس متفق عليها.

 بالنسبة لقياس التقدم- تُطرح فكرة المعيار، وهي إمكانية مقياس التقدم كفكرة أساسية، كيف نقيس التقدم؟ ما هو المجتمع المتقدم- والمجتمع غير المتقدم -وعلى أي معيار وأسس؟ هل معيار التقدم مطلق أم نسبي؟ إذا كان نسبي وهو نسبي بالضرورة، النسبية هنا تعني عدة أمور:

1- بين الفرد والمجتمع، بين العلم وسعادة الإنسان- بين الطبقات الاجتماعية- وبين الأمم.

هل إذا تقدم المجتمع بالضرورة يتقدم أفراده؟ أم أن هناك مشكلة بين الكلية والأجزاء، هل إذا تقدم المجتمع يكون هناك بالضرورة انعكاساً على الأفراد، طبعاً المدرسة الماركسية تقول حتماً، رغم أن التجربة لا تؤكد ذلك.

“دوركنغ” يرى أن الكلية ليست مجرد جمع للأجزاء وإنما هي شيء قائم بذاته، الأسرة ليست مجرد أفرادها لأن الأب لا يمكن أن يكون نصف أسرة، لذلك الأسرة هي شيء قائم بذاته وليس فقط الأجزاء، إذاً يمكن التقدم الكلي دون أن تتقدم الأجزاء وهذا يؤدي للاضطراب بمفهوم سايبرنتيك، حتى ممكن لمكون معين أن يتقدم والمكونات الأخرى تتراجع، طبعاً كان لينين يعتقد في كتابه الشهير “تطور الرأسمالية” في روسيا أن التقدم هو في الحقيقة تقدم لطبقة يحمل معه تراجعاً أو تخلفاً لطبقة أخرى، أي أن التقدم له وجه أخر هو التخلف، لكن على أساس التحويل الطبقي، وليس على أساس الكلية المجتمعية، نسبياً بين العلم وسعادة الإنسان، هل يمكن أن نقيس التقدم على أساس تقدم العلم أم على أساس تقدم سعادة الإنسان، وهل العلم بالضرورة يؤدي إلى سعادة الإنسان؟ ربما يُستخدم العلم لقتل الناس، العلوم البيولوجيا والطبيعية، متقدمة علم القتل أكثر من تقدم سعادة الإنسان، فهل تقدم العلم القاتل هذا هو معيار تقدم؟  العلم ما هو العلم ؟ هناك المدرسة الفرنسية تقول أن العلم الخالص يجب أن يؤدي بالنهاية لتلبية الحاجات الإنسانية، والمدرسة الإنكليزية التي تقول أن العلم هو العلم المفيد، ما معنى الفائدة؟ استناداً إلى المدرسة الأنجلو ساكسونية، الفائدة هي الجدوى، كل ما يُعطى جدوى فهو جيد، بدليل قنبلة  هيروشيما أعطت جدوى، هل هذه الجدوى ضرورية لتقدم البشرية، مالتوس يقول نعم ضرورية، يجب قتل الناس سواء عبر الكوارث والأمراض والحروب من أجل حماية التوازن الطبيعي للبشر، إذاً قتل البشر هو تقدم بنظرية مالتوس ، هذه كلها قضايا تُطرح عندما نناقش التقدم، الجميع يقول نحن التقدميين، بين الطبقات الاجتماعية تحدث دخل الله عن لينين قوله: أن تقدم طبقة يؤدي إلى تراجع طبقة معينة، إذا كيف يمكننا أن نحكم على المجتمع إذا تقدم أم لا؟ بين الأمم أيضاً- هل تقدم أمة  يؤدي إلى تخلف أمم؟

ثم ماذا يحصل عندما تصل البشرية إلى الوجود (الوجود الفاضل) هل تنتهي فكرة التقدم أم تستمر باعتبار التقدم قانوناً وجودياً؟ ثم إذا استمر هل هناك وجود أفضل من الفاضل؟ هل هناك جنة بعد الجنة؟…

وهل يقاس التقدم وفق معيار التنكولوجيا ؟ أي أنه إذا كان بلد متقدم تكنولوجيا هو متقدم بشكل عام، لنناقش الآن، التكنولوجيا متقدمة جداً، لكن هل الثقافة تقدمت، هل العواطف والقيم البشرية تقدمت، كل العواطف البشرية لم تتقدم مع تقدم التكنولوجيا، مازالت هي نفسها- إذاً تقدمت التكنولوجيا تقدماً كبيراً، لكن الثقافة أو القيم مازلت كما كانت ربما في عصر حمورابي.

أخيراً: هل ” الصراع” معيار التقدم، هل من الضروري أن يكون صراع  لكي يكون هناك تقدم، يعتقد الماركسيون أنه يجب أن يكون هناك صراع لأن تقدم  طبقة يعتبر تراجع لطبقة أخرى، فإذاً الصراع مفيد من أجل دينامية التحول نحو الأمام التحول نحو التقدم، لكن هل هذا فعلاً الصراع ضروري، موريس ديفرجي مثلاً يتحدث عن وجهان لإله جانوس، وجه جيد ووجه سيء، فيقول أن الصراع والتكامل هما وجهان لدينامية واحدة، أي يحاول أن يجد أن الصراع ضروري للتكامل، والتكامل ضروري للصراع لكن هو يؤكد وصولاً لانتصار التكامل، أي وصولاً للمدينة الفاضلة في النهاية، وهنا نعود إلى السؤال الحقيقي، إذا وصلنا إلى المدينة الفاضلة ماذا يحل بالتقدم كقانون، وختم دخل الله بأن ما يفيدنا في دراسة التقدم هو علم سايبرنتيك أو نظرية المنظومات المعقدة لأن فيها مفهوم الاضطراب وفيها تأثير المفهوم الراجع، عندما يمكن لمكون أن يتقدم في المجتمع  وبسبب تقدمه يؤدي إلى تراجع فئة أخرى في المجتمع، ممكن أن نستفيد من مسألة التنسيق الداخلي بين المكونات لأنك إذا دفعت الكلية نحو الأمام وتأخرت المكونات، يخلق صراع جديد، وبالتالي هل التقدم يكون تقدماً حقيقياً إذا أدى إلى تقدم الكلية وتراجع المكونات، تقدم حقيقي وهذا أيضاً ينطبق على العلم، إذا تقدم علم القتل قبل تقدم علم الحاجات السامية- فهل هذا تقدم؟

عقب انتهاء كلمات المحاضرين بدأت مداخلات الضيوف وقدم د. عبد اللطيف عمران، المدير العام لدار البعث مدخلاً لذلك فقال:

نحن غبنا وغيبنا ظاهرة التخلف في مجتمعنا وفي المجتمعات العربية والإسلامية، وبالتالي في ظل هذا التطرف في البيئات المتخلفة أصبح المتطرفون في معظم الأحيان  وفق التحليل الاجتماعي  ضحايا مثل هذا الكلام الذي شخصه سريرياً ومارسه كافكا، ما هي آفاق الحل خاصة و نحن لدينا أجيال ضحية التطرف والتخلف، ما هو التشخيص ومن المسوؤل عن غياب الرؤية التقدمية غير الأحزاب والمنظمات والسلطات الإعلامية والثقافية والسياسية؟ و من المسؤول عن شريحة الشباب، لماذا ليس هناك حديث عن الرؤية التقدمية التي هي بنزعتها الإنسانية العلمية رفض للميتافيزيقيا؟ من المسؤول عن تشخيص حالة هذه الأجيال في سورية وليبيا والخليج ؟ يعني ما الجدوى من حديثنا وما الهدف كسلطات إدارية وثقافية وإعلامية، ولا سيما جيل اليوم الذي قد لا يستطيع متابعته أو الاستماع إليه على أهميته والجهود المبذولة  أو كما يقول فولتير هذا سرد مثل سرد تاريخي لوقائع الأبطال ويغيب عنه الأفق الحضاري.

  السيد رامز ترجمان وزير الإعلام:

بدأ السيد الوزير الحديث من حيث انتهى كلام د. محسن بلال حول تشخيص الواقع وقال: جميعنا يعلم أن هناك فوضى تدميرية وهناك حالة من الإرباك الدولي في العالم ، جزء من أسبابه هو الصمود السوري بصراحة بالإضافة إلى عوامل أخرى منها صعود ترامب إلى سدة الرئاسة الأمريكية والتغيرات الاقتصادية في أوروبا، وخاصة مع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وظهور التطرف والإرهاب الدولي. والسؤال الذي يطرح نفسه أمام هذا المشهد: ماذا قدم المثقفون وماذا فعل التقدميون والمؤسسات طبعاً، نحن جزء من هذه المؤسسات، نتكلم ونتكلم بلا فائدة والأجيال ضائعة، تائهة خاصة جيل الشباب الذي يعول عليه لبناء سورية المستقبل واخذ سورية إلى بر الأمان. وأضاف:  من خلال نظرة سريعة على الواقع الحالي سوف أتكلم  صراحة عن  غياب دورنا الفعال كمؤسسات إعلامية، نحن كمؤسسات إعلامية غارقون تماماً في التفاصيل اليومية أي الضغط اليومي المتعلق بالمعركة اليومية والحرب الكونية التي فرضت على سورية، الإعلام السوري غارق في تفاصيل اجتماعية واقتصادية ومهتم جدا بلقمة عيش المواطن وبالتالي هو بعيد عن أي فكر استراتيجي تقدمي بكل صراحة.على الرغم من أن هناك عناوين رئيسية نقول دوماً أننا نسعى لان نكون إعلام سوري وطني جامع يهتم بالمواطن ويسعى لنشر و زيادة  ثقافة الوعي وزيادة والانتماء الوطني لدى المواطن، ولكن كل ذلك عبارة عن شعارات لم تجد طريقها حتى الآن إلى التطبيق والتنفيذ. للأسف وخلال نظرة سريعة للواقع نجد، وأنا هنا أتحدث بكل شفافية، من يتصدر الآن مشهد مواجهة  الإرهاب التكفيري ومشروع تدمير سورية على مستوى الفكر والعقل هي وزارة الأوقاف التي تقدم جهد كبير وهام جداً ومعقد جداً، وهي تحاول أن تهذب الخطاب الديني وتحاول تكريس ما يسمى ب الإسلام الوسطي، ولكن في ظل غيابنا نحن كمؤسسة إعلامية والمثقفون والتقدميون وغياب خطابنا ومنتوجنا الثقافي سوف يبقى هذا الخطاب خطاباً دينياً شئنا أم أبينا، ويمكن في أي لحظة في المستقبل أن يذهب في طريق آخر فقد فسحنا المجال له.  ولكن يجب ألا يؤخذ كلامي على أنني أتحدث بشكل سلبي عن وزارة الأوقاف ، لأن ما تقوم به هو عمل هام وضروري وأساسي ويجب أن يكون هناك عمل موازي لعملها من قبلنا نحن كمؤسسات إعلامية ومن قبل جميع الأحزاب التقدمية. ماذا قدمنا نحن لقواعدنا الشعبية، خاصة المنظمات ما هو خطابها الإعلامي الموجه لشريحة الشباب وماذا تقدم على الأرض للشارع السوري. وتابع الحديث بالقول:  منذ يومين قدمت محاضرة مع د. مهدي دخل الله أمام مجموعة من الشباب المهتمين بموضوع ثقافة التواصل الاجتماعي وخرجت بنتيجة  كبيرة وجود فجوة بيننا  ، و أن هناك أزمة حقيقية لدى الشباب السوري، بشكل عفوي ولا إرادي تكلم الجميع بلغة مناطيقية ونادراً ما سمعت كلمة تتحدث عن سورية: منهم من تحدث عن إدلب ومشاكل ادلب وهناك من تحدث عن درعا وآخرون عن الرقة وحوران وهناك من تكلم عن اللاذقية وحمص والسويداء، وهذه ظاهرة إقليمية وسائل التواصل الاجتماعي، ،وغياب الرؤية الوطنية فيها، وبالتالي هذا كلام مهم جدا: فإذا أردنا بناء خطاباً تقدمياً جامعاً في المستقبل علينا أن نركز على الشباب وعلى “السوشيال ميديا”،أي شبكة إعلام التواصل الاجتماعي. أنا أقول بكل صدق وصراحة كان يقال عن الإعلام التقليدي انه السلطة الرابعة والآن هناك سلطة خامسة هي سلطة السوشيال ميديا وهي خطيرة جداً إذا لم تتم متابعتها وتاطيرها بطريقة مناسبة. جميعهم شباب ونعلم أن الشاب في مرحلة فورة وغليان الشباب يمكن في أي لحظة أن تذهب الواقعية منه،  لذلك  علينا الانتباه إلى هذه النقطة الهامة جداً. أقول وطبعاً أنا لا أبرر تقصير الإعلام في هذا الموضوع ، نحن في الإعلام الوطني بإمكانياته البسيطة والنوعية لا نستطيع القتال على جميع الجبهات، فالإعلام يحارب على صعيد الجبهة العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية،  وبالتالي هناك قصور في كل هذه الجبهات، ولكن لا يستطيع الإعلام وحده ردم هذه الهوة وهذه الفجوة ، علينا العمل جميعاً، كل المثقفون فنحن كما قال د. محسن أمام أزمة وجود مسالة حياة أو موت، الأجيال القادمة أمام مشكلة قادمة بين الواقع والمستقبل، كيف يتعين علينا بناء المستقبل. أنا طرحت مجموعة من الأسئلة لتضاف إلى الأسئلة المتراكمة وأتمنى أن يكون هناك اجتماع لإيجاد حل لهذه المشكلة وشكرا لكم.

د. إنصاف حمد:

أما د. إنصاف حمد، أستاذة علم الاجتماع فقد تحدثت في مداخلتها عن مسؤولية الأحزاب والمنظمات عما حدث في حرم جامعة دمشق عندما استشهد ابنها وزميله على يد زميلهما الثالث وقالت:

حقيقةً، لم تكن فاجعة مقتل ابني درامية بالنسبة لي ولا بأي لحظة، بل كانت نتيجة حتمية وكان يجب علينا توقعها نظراً  للأحداث والظروف والتغيرات التي ضربت بلدنا إذ كان الحدث السوري غير مسبوق ولكنه ليس غير متوقع. أنا سامحت في لحظة الفجيعة لأني اعتبرت أنني كبعثية مسؤولة عن هذا الذي الحدث، مسؤولة أن يصبح زميل ابني المهندس المتفوق مسيراً  من قبل رجل دين جاهل ويقول لهم اقتلوهم حيث ثقفتموهم ، يسمع منه ولا يسمع من قوانين الفيزياء والرياضيات التي كان متفوقا فيها وكانت درجة علامته لا تقل عن 90% ، عمار بالوش كان من المتفوقين، من المسؤول؟ نحن كبعثيين مسؤولون وأقولها بالفم الملآن، ماذا فعلنا نحن البعثيين؟ لذلك التزمت الصمت ، سورية فجعت بعمار مثلما فجعت أنا بابني لان عمار كان مهندس وكان من الممكن أن يكون متقدم ومتفوق، ما هي الظروف التي وضعناه فيها كي يرى زميله عدو له، وكي تخسر سورية خضر وحسين وعمار هكذا بعقل بارد، ولندع العواطف جانباً. وتابعت : لقد شعرت أنا كأكاديمية وأستاذة جامعية عدا كوني بعثية أي جزء من المنظومة الحاكمة لعقود،  بالمسؤولية عما حدث لابني وزملائه . ماذا غيرنا في خطابنا، لا زلنا نعيد ونكرر، نظرتنا للتطور والتغير ليست فقط متخشبة وإنما تكلست، وبلغة “لاكاتوس” أصبحت متفسخة، “آمري لاكاتوس” الميتودولوجي المعروف الذي يتحدث عن برنامج البحث المتفسخ والمتدهور بلغة البيولوجيا الذي يجب أن يتغير لأنه لم يستطع الحفاظ على نواته الصلبة، النواة الصلبة لأي بحث أو أي نظرية يجب أن يكون حولها حزام واقي يكون قادر باستمرار على التغير كي يواكب التطورات. تمنيت أن اسمع  باعتباري لست في موقع قيادي ولست قادرة على التغيير ، ماذا فعلنا نحن في المنظومة الحاكمة، حاولنا إجراء تسوية تاريخية أدت إلى ما يحدث اليوم، مع المتدينين لا آفاق لتسوية تاريخية، يلزم طريقة أخرى، فلا نستطيع الحكم على التسوية التي جرت في ايطاليا  لأنه لم يكتب لها الاختبار، كانت في بداياتها ووأدت  وبالتالي لا استطيع الحكم عليها.اعلم أن التسوية ليست لصالح العلمانيين ولا لصالح فكرة التقدم مع تحفظي على فكرة التقدم لأنها بالأساس تغير نحن اطفينا عليها الغائية بأنها نحو الأحسن، لذلك نستطيع الخروج من كل هذه الأسئلة التي طرحها د. مهدي دخل الله.  نحن البعثيين حكمنا لعقود ماذا فعلنا والمفروض أن البعث تقدمي وقيض له أن يحكم عقود طويلة، ماذا فعل؟ أعود للمأساة التي أشار لها د. ألا وهي وزارة الأوقاف هي الآمر الناهي في القول وفي الخطاب الثقافي في هذا البلد.

 طرحت ديانا جبور  في مداخلتها التساؤلين التاليين:

هل مستقبل التقدم في سورية مع الانهيار الاقتصادي الفادح الذي نعيشه ما تزال فكرة واقعية وممكنة؟  أم انه بات أمراً من البديهيات أننا سائرون باتجاه التخلف بحكم الواقع الاقتصادي ؟

 وربطت أيضاً السؤال الثاني بالاقتصاد وقالت: قبل 2011 شهدنا نهوض اقتصادي شكل حالة مثالية مشتهاة ، ولكن هذا التقدم الاقتصادي لم يشهد تعيينات سياسية ولم يشهد ترجمة سياسية، إذ كان صاحب القوة الاقتصادية عاجزاً عن ترجمة موقعه الاقتصادي بامتيازات ومطالب سياسية، هل يا ترى  هذا البون وهذا الفارق بينهما ، هل لبيئة حاضنة سهّلت تنفيذ تلك المخططات التي جوبهنا بها؟

وتحدث د. “يحيى الناصح” عضو لجنة المشروع الوطني لتطوير المناهج في وزارة الأوقاف: في مداخلته عن نظرة وزارة الأوقاف إلى الأزمة و دورها في توعية الشباب السوري فقال:

قبل كل شيء نتكلم عن مفهوم التقدم كما فهمته وزارة الأوقاف في هذه الأزمة، حقيقة نظرت وزارة الأوقاف إلى هذه الأزمة على أن الإسلام بات متهماً من قبل بعض الأطراف لان الناس خرجوا من أمام المساجد، لذلك نظرنا إلى هذا الأمر على أن التجديد والتقدم في الإسلام يكمن في أن ننزع عنه ما ليس منه و أن نرده إلى أصوله، لأننا كلما ابتعدنا عن النبع وعن أصل الدين عن أصولنا التي شرعها لنا الله و رسوله، عن أصل الأمة، نحن لا نؤكد على موضوع الدولة كما نركز على موضوع الأمة. وأضاف:  عندما نطالع في الكتب التاريخية والدينية لا نجد مفهوم الدولة بل نجد مفهوم الأمة لماذا، لان مفهوم الأمة هو الأم التي يعود إليها كل ما ينضوي تحت هذه الراية مهما كان توجهه ما دام في هذه الرقعة فمن واجب الدولة الأم، من واجب الحاكم ومن واجب القيم على هذه الأمة أن يرعى شؤونه رعاية كاملة هذا أولاً.إذا توصلنا إلى أن التقدم هو أن ننزع عن الإسلام ما ليس هو منه. كيف وهنا وصلنا إلى ما تفضل به فضيلة د. محسن بلال حول الألوية الحمراء التي تشبه داعش وجبهة النصرة وهذا تشبيه بليغ مئة بالمئة. لأنهم عندما رؤوا أن الأمر لا يناسبهم بدؤوا بضرب قواعد الدين من أصوله، لذلك نبه رسول الله منذ عصره  على مثل هؤلاء قال”لتجدن أقواماً يقولون من قولي خير البرية”، يعني يقولون قولي، يقرؤون القران لا يمازج حناجرهم، أي لا يصل إلى قلوبهم ولا إلى عقولهم، لأنهم يشوهون الإسلام ويشوهون فكرة التعايش والأمة التي شرعها الله تعالى ورسوله. لذلك نجد هناك بون شاسع ما بين الأصول وبين ما آلت إليه. يعني أنا من جيل السبعينات، انظر إلى كتب أولادي لأرى ما فيها من القيم، أتذكر الكتب القديمة وما كانت تحويه من قيم الفكر التشاركي، فكر المحبة، الآن كلت الهمم ولم يعد هناك طاقات الفكر الاشتراكي. الآن أين الطاقات التي تتبنى هذه الأفكار، ليس هناك دماء جديدة، أنا خطيب وأمام جامع عندما اعد خطبة الجمعة ابحث في بعض المواقع عما قد يفيدني فلا أجد سوى المواقع السلفية لماذا؟ نحن أيضاً كلت الهمم، نحن أيضاً لا يوجد عندنا من يكتب على هذه المواقع، نحن أيضاً كلت هممنا، لذلك لا بد من إنشاء قاعدة فعالة كما كانت. دعونا نتكلم بالأدوات التي بين يدينا:  لماذا كانت الطاقات فعالة فيما مضى أكثر من اليوم، أين منظمة الطلائع واتحاد الطلبة، للأسف باتت أفكار الشباب مرتبطة بالفيس وكل أدوات التواصل الاجتماعي، شبكة أخبار كذا وشبكة أخبار كذا كلها تبعدنا عن مفهوم الأمة. وختم بالقول: لنعد إلى داعش والنصرة، عندما تلبس هؤلاء القوم بلبوس الإسلام لم يتلبسوه عبثاً، هؤلاء مأجورون ومرتزقة، هؤلاء مجرمون لا يفعلون ذلك عن عقيدة والدليل على ذلك أنهم ينهزمون أمام طلقة، يتراجعون أمام طلقة وأمام بطولة جندي، لذلك عقيدة هؤلاء هي الدولار طالما ليس لديهم عقيدة ولا إيمان .إذاً الوسطية هي أن ننزع عن الإسلام ما ليس هو منه.

د. عقيل محفوض:

 يرى د ” عقيل محفوض” أنه كان يجب أن تطرح هذه الأسئلة في وقت سابق في مرحلة مبكرة قبل حدوث الأزمة عندما كان تيار التطرف يسحب الكتلة الاجتماعية قبل الحرب بسنوات، ولكن يبدو أن هناك نوع من التسوية، أو التواطؤ أن صح التعبير في لغة السياسيين، بين الفواعل السياسية في البلد وبين ما شعروا انه قد يكون مصدر تهديد للعقد الاجتماعي، ألا وهو التيار الإسلامي، وكان هناك بحث عن النقاط المشتركة كموضوع المقاومة والوحدة الوطنية التي كان من الممكن أن تعصم البلاد عن دوث الانفجار كما حدث.  ولكن يبدو أن الرهانات لم تكن دقيقة بما يكفي  أجريت دراسة حول هذه الظاهرة بعنوان” مقاربة تفكيكية للحدث السوري”. عندما علمت أن موضوع الندوة حول التقدم أثيرت شجوني ، لأنه لدينا قضايا كثيرة أكثر أولوية كان من الممكن التحدث فيها، وأقول لان مفهوم التقدم ظالم ومظلوم لأنه استخدم كثيراً في غير مكانه، وتم تحميله بشحنات الايدولوجيا وبالتاريخ كثيراً، وظالم للاستخدام نفسه فهو لم يدرس بالقدر الكافي، حتى في الأفكار الماركسية كان يعتبر أي تطور اقتصادي تقدم،  وخاصة في بلدنا، هناك الجبهة الوطنية التقدمية هل هي وجدت لمواجهة لا تقدميين في البلد مثلاً؟ ولكن بالمحصلة بعد كل هذه العقود من وجود الجبهة الوطنية التقدمية أصبح الشارع في مكان آخر والوضع في البلد انفجر. عام 2011 قلت أن الحدث غير متوقع بالطريقة والكيفية التي حدث بها ولكن بتقديري ما حدث لم يكن مفاجئاً خاصة وان زملاء لنا قالوا على السوشيال-ميديا أن البلد مقبل على أزمة مع تزايد الهجرة من المناطق الشرقية ومواضيع أخرى. عندي ملاحظة تتعلق بوزارة الأوقاف: أولاً في بلدان الديمقراطية يفترض أن يكون هناك وزارة للشؤون الدينية وليس وزارة تتعلق بمكون ديني واحد في البلد، لماذا تكون وزارة للمسلمين فقط وهناك أديان أخرى، وطالما هي جزء من الحكومة فالحكومة مسؤولة عن كل أبنائها بكل انتماءاتهم حتى اللادينيين منهم، وبالتالي من المفترض أن يكون هناك وزارة للشؤون الدينية تشمل كل المكونات الدينية في البلد وليس مكوناً واحداً .حتى الوقت الحالي في الجامعة كنا ندخل في المناهج المدرسية من اجل مشروع لمراجعة الكتب الدينية والتعليم يجري العمل عليه الآن،كنت مضطر  لقراءة أحاديث منسوبة للنبي تكفرني مطلوب مني  حفظها لأنه سيأتي سؤال عنها في الامتحان،وبالتالي يجب  أن اكتبه وأوافق على مضمونه. اعتقد انه يجب أن نطرح الأسئلة بهذا الخصوص فالبلد للجميع بكل مكوناته طالما هناك حكومة لكل أبنائها إذا يجب يكون الجانب الديني أيضاً لكل أبنائها. وشكراً.

الكاتب محمود عبد الكريم:

تحدث عن أربع عناوين موجهة لفقهاء السلطة وفقهاء المساجد قائلاً: باعتبارنا مواطنين من الجيد انه بات بمقدورنا التجرؤ على توجيه الأسئلة. في غزوة “حنين” جاء رجل إلى رسول الله وقال له:” يا محمد انك لا تعدل اعدل، قال له ويحك إن لم أعدل فمن يعدل؟ قال انك لا تعدل، حاول الصحابة قتله فمنعهم. هذه واحدة.

الثانية: قال عمر لعمر ابن العاص:” متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً

الثالثة: قال علي لمالك ابن الاشتر:”الناس اثنان أخ لك في الدين ونظير لك في الخلق.

وقال لعبدالله ابن العباس: “إن إمرتكم هذه لا تساوي عندي شسع نعل إن لم أقم حقاً أو أزهق باطلاً”، مستنتجاً من هذه العناوين الأربعة ما يلي: أولاً أن الحرية في صلب الدين، وان الاختلاف في الرأي شيء لم يسمح الرسول بالعقاب عليه حتى لو اتهم هو شخصياً، وفي أيامنا هذه إذا اختلفنا في الرأي مع مؤذن في الجامع يبيح دماءنا جميعاً.

ثانياً، إن الإمرة حدها العدل والحق وغير ذلك فهي بلا قيمة، لا بل هي عدو المجتمع أصلاً، وهنا ثمة موضوع اخطر من ذلك، جميع الناس إخوة متساوون إن كانوا إخوة في الدين أو إخوة في الإنسانية أيضاً.

حقيقة صغتها على شكل القصيدة التالية:

متى يخرج الفقيه من مصنفاته      حاملاً للناس تمراً وموسيقى وماء

هاتفاً للعالمين فات وقت الدماء   السلام  السلام  السلام إلى أبد الآبدين

وأضاف مؤكداً: أن الدين ليس المسؤول بل رجال الدين ورجال السلطة هم المسؤولون بدليل هذه الحوادث الأربعة التي ذكرها، هناك حرية مطلقة بدليل أن الرسول منع معاقبته على الرغم من اتهام الرجل له بأنه غير عادل، وعمر وهو الفاروق قال لعمر ابن العاص، احد بناة الدولة الإسلامية الأولى، متى استعبدتم الناس، رداً على معاملته لرجل قبطي بسيط. علي بن أبي طالب قال كل الناس سواسية وهذه الإمرة لا تساوي عندي سشع نعلة أن لم أقم حقاً وأزهق باطلاً. وختم بسؤاله الفقهاء: متى نخرج من هذا الدم الذي اخترعه أرباب السلطات الإسلامية عبر التاريخ، وما هو دور الفقهاء في ذلك وما هو دور السلطات أيضاً، لوعي فكرة السلطة وفكرة الدين أيضاً.

محمد كنايسي رئيس التحرير في جريدة البعث:

بدأ مداخلته بالحديث عن وجود أزمة على الصعيد العالمي وعلى الصعيد الغربي تحديداً، أو على الصعيد العربي. في الغرب تتمثل هذه الأزمة بالصراع الناشب حالياً بين الحداثة وما بعد الحداثة، في الحقيقة ما زالت الحداثة رغم كل سلبياتها التي اعترف بها الغربيون أنفسهم ولا سيما من قبل نقاد الحداثة، لا زالت تمثل جوهر التقدم الغربي ممثلاً بالتنوير والعقلانية ووحدة الجنس الإنساني إضافة إلى القيم التي حملتها الحداثة. ولكن للأسف بناء على ما يذهب بها نقادها بعد 1918 أي بعد الحرب العالمية الأولى بدأ يظهر أن هذه الحداثة لم تحقق ما كان يصبو إليه الإنسان، وما ظهر من دمار الحرب ومن إبادة وويلات الحرب جعلت البعض يشكك بالحداثة. الغريب أن المشككين في الحداثة انقسموا إلى قسمين: هناك من شكك فيها بهدف التخلص منها والانتقام من عصر التنوير والعودة إلى عصور الظلام، وهناك من شكك أو انتقد بهدف تطويرها والمضي بها إلى الأفضل مثل “هابر ماس” الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني وغيره من الفلاسفة. في وطننا العربي، لا بد من الحديث عن التقدم لأننا عندما نقارن بين القرن التاسع عشر والقرن العشرين وما قبلهما لابد وان نرى معالم أو دلائل واضحة على التقدم. في الحقيقة لامس التقدم جوانب كثيرة اجتماعية وسياسية وثقافية وفكرية، في السياسة على سبيل المثال، بعد أن تحررنا من الاستعمار وتحررنا قبل ذلك من السلطنة العثمانية، أصبح الحديث ممكناً عن امة عربية، هذا مفهوم زمني ودنيوي، ولم يعد هناك حديث عن امة إسلامية وقتها، رغم أن الأمر عاد بعد ذلك، المدرسة هي مدرسة مدنية أخذت مكان الكتّاب والمسجد والكنيسة، الأزياء نفسها تغيرت والفن نفسه تغير، وولدت أجناس أدبية جديدة كالرواية وغيرها. هذا كله كان يندرج في سياق التقدم، ولكن ما حدث انه وقعت الردة السلفية في الستينيات والسبعينيات في القرن العشرين، وتواصلت منذ ذلك الحين بشكل أو بآخر وظلت تعمل وتحفر في الخفاء إلى أن حدث ما حدث الآن. الحقيقة نحن نواجه الآن أزمة كبيرة جداً، والمفارقة أن أنصار ما بعد الحداثة، بمعناها التدميري والتفكيكي هم الذين يقفون الآن مع دعاة “تدمير بلداننا” كتيارات إسلامية متطرفة وإرهابية لأنهم يلتقون معهم فكرياً في العودة بالبشرية كلها إلى عصر الظلام والقرون الوسطى. المطلوب في رأيي، وهذا أمر أساسي، أن القضايا الأساسية التي طرحتها النهضة لا تزال قائمة، مسائل العقلانية والديمقراطية وكرامة الإنسان وحرية الإنسان، جميعها قائمة ولا بد للمواجهة من قيام ثورة فكرية أو من إصلاح فكري. الإصلاح الفكري هو المنبت الضروري لان التقدم بدأ من هنا إذا ما عدنا إلى التاريخ، التقدم بدأ ضد الموروث الفكري القديم الذي كان يزعم أنه صحيحاً بينما أظهرت التجربة العلمية أنه خاطئ. هكذا إذا ذكرنا باسكال الفيلسوف في القرن السابع عشر والذي كان في نفس الوقت رجل دين عندما قام بتجربة اثبت آن بعض حكم أرسطو التي كانت تبدو آنذاك حكماً لا يأتيها الباطل من خلفها ولا من أمامها، هذه الحكم كانت على خطا قاتل في الحقيقة. فكرتي الأخيرة، أريد القول انه لابد من إصلاح ديني، لان الإصلاح الديني هو مدخل للإصلاح السياسي ولا مجال لأي إصلاح سياسي إذا لم نقم بإصلاح ديني عميق يعصرن الدين عصرنة كاملة ويجعله حداثياً وابعد ما يكون عن الدين المهيمن حالياً الذي هو فقه ظلامي مئة بالمائة.

بسام هاشم، مدير تحرير في دار البعث:

قال “هاشم” في مداخلته  أن لهذه المشكلة أكثر من شق، الشق الأول يتعلق بتعاقب الأجيال والعلاقة بين الأجيال، والشق الثاني يتعلق بمشكلة معرفية، إذ لا يحق لنا ولا لغيرنا معرفياً أن نتهم الأجيال الجديدة بالجهل، لأنه يوجد نوع من سوء تواصل بيننا وبين هذه الأجيال لنتهمها بأنها جاهلة. لربما نكتشف في مرحلة لاحقة أن لدى هذه الأجيال رصيدها المعرفي ولها مصادرها المعرفية المختلفة التي نجهلها نحن تماماً كما يجهلون هم فكرنا. ومثلما نتهمهم بغرقهم في وسائل التواصل الحديثة، يجب أن نعترف نحن أن علاقتنا بوسائل الاتصال الحديثة هشة وضعيفة جداً، بحيث لا يحق لنا الحكم على مضمونها.  ينبغي علينا الاعتراف بأن مجال الحريات توسع وان القضية لا تتعلق بنطاق وطني أي بحدود جمهورية أو إيديولوجيا، المعرفة أصبحت عالمية ولم تعد المشكلة تتعلق بنا وحدنا. المشكلة هي في مدى معرفتنا بوسائل التواصل الاجتماعي الضعيف، على سبيل المثال لا يقاس عدد مراكز الأبحاث في الوطن العربي أو في سورية مثلاً بإعداد مراكز الأبحاث الموجودة في العالم، وعدد الصحف نفس الشيء، في سورية لدينا فقط 3 صحف بينما في دولة أخرى تجد عشرات الصحف، هذا حق للأجيال القادمة يجب أن نمنحها إياه وندعها تتعامل معه وتصنع المفاهيم الخاصة بها. صحيح انه في بلدان العالم الثالث هناك تحديات عليها مواجهتها وبناء مستقبلها، إلا أن هناك معادلة تفرض نفسها وعلينا إيجاد الوسيلة المناسبة للتعامل معها.

وفي معرض الرد على الأسئلة التي وجهت للمحاضرين قال بلال: إن النكبة بالماركسية ,فالحزب الشيوعي السوفييتي  جعل من روسيا بلد وقوة عظمى تواجه الامبريالية, الامبريالية الأمريكية المتوحشة والخطيرة إن هذا الحزب العظيم تدنت شعبيته لدى الرأي العام إلى 19 %فنسبة المصوتين في آخر انتخابات جرت في روسيا لهذا الحزب كانت 19%كما أن الحزب الشيوعي السوري في بداية القرن العشرين نزل بالانتخابات ضد الإسلاميين في دمشق ونجح خالد بكداش الماركسي اللينيني الستاليني في هذه الانتخابات وهنا كانت المفارقة .

أما د. دخل الله فلقد رأى أنه وجد في سورية في خمسينيات القرن الماضي أربع تيارات تمثلت بالتيار الماركسي وتيار الإخوان المسلمين والتيار القومي السوري بالإضافة إلى حزب البعث متسائلاً لماذا بعد ما يقارب العشرون أو الثلاثون سنة مازال حزب البعث يحكم في دولتين من أهم الدول في العراق وسورية، ولم يخرج من بغداد إلا بالدبابات الأميركية ,لماذا يوجد في سورية كل سنتين تغيير حكومي ولماذا بعد فترة السبعينيات من القرن الماضي بدأ الاستقرار في سورية بشكل واضح ,إذا ًيجب أن نعترف أن هذه الوقائع هي إحدى إيجابيات حزب البعث مضيفاً أنه بسبب نجاح سورية وحزب البعث تم صرف 125مليار دولار  وتجنيد 200 ألف من المرتزقة إضافة إلى 200 ألف سوري قاتلوا ضد الحكومة السورية وهنا استشهد دخل الله بما قاله كيسنجر لو أننا صرفنا نصف هذه الأموال لغيرنا نظام الولايات المتحدة الأمريكية بمعنى أنه لا يوجد انفجار داخلي في سورية، نحن لا نقول أنه لا يوجد سلبيات ولكن هناك مؤامرة أحيكت بسبب نجاح سورية. أما بالنسبة إلى مشكلة الدين فالمسيحية تحولت إلى سياسة ودولة في القرن الرابع عندما قبلت روما بالمسيحية وبقيت المسيحية حتى القرن السابع عشر ثم تحولت إلى داعش تذبح وتحرم العلم فالبشرية كلها لم تتقدم من القرن الرابع إلى القرن الثاني عشر ولا قيد أنملة ,من الضروري أن ننطلق إلى الثقافة الوضعية ,ولا يجوز لدولة علمانية أن يكون فيها وزارة أوقاف، ثم إن مفهوم الأمة الإسلامية سيقابله أمة مسيحية وأمة يهودية ,والأمة الإسلامية معناها أن لا وطنية لأن الإسلاميين يقولون أن الوطن ليس حفنة من التراب ,وإنما العقيدة والإيمان وهنا طبعاً العقائد تتغير.

و قال أحمد ضوا مدير عام الوكالة العربية السورية للأنباء “سانا” في مداخلته، القضية المهمة أنه بالأحزاب العالمية هناك أحزاب بعد التطور التقني والتكنولوجي أخضعت التجربة للفكر،أي أصبحت من خلال التجربة تكون الفكر.نحن قمنا بوضع نظرية والعمل عليها مع الأسف نحن لم نستطع أن نتطور.

وفي معرض رده على الأسئلة التي طرحت أجاب نمر،في الواقع لقد تم الإجابة على النقاط جميعها من قبل مختصين ومن ذوي العقول المنفتحة والمستنيرة،كما أعتقد أنها غطت كل القضايا، لكن د.محسن كاد أن يحملنا انهيار حركة الشيوعية العالمية والحزب الشيوعي الإيطالي وكأننا مسؤولين عن ذلك.

حركة التاريخ كلها لا تسير باتجاه واحد ففيها تقلبات وتغيرات وعلينا أن ندرس التجربة وآثارها.لقد تأثرت بصيحة “إننا مآزمون “وهذا أمر مهم جداً وأعتقد أن الجميع يشعرون ذات الشعور،ولكن لنقترب قليلاً من الواقع ونحاول، ولكن ليس في هذه العجالة لأن هذه العجالة لن تلبي ولا حتى جزء بسيط من طموح أي شخص منا،يجب علينا على الأقل الاقتراب من دروس الأزمة العالمية ،وأن نقترب من أزمتنا الحالية،والتصريح بهذه الأزمة هو أمر إيجابي ، كما أنه من الضروري أن نتقدم في مجال العَلانية ومجال مخاطبة بعض المحسوبين على المعارضة.

ويعتقد نمر أن أحد أسباب الأزمة أنه لازال هناك حتى الآن آثار لعقلية الإدارة، ولعقلية الحزب الواحد،كما أنه لا يوجد حتى  الآن رغبة حقيقية وفعلية  في التعاون معاً كي يكون هناك تعددية سياسية حقيقية، وتتطلب هذه التعددية السياسية الحقيقية الاعتراف بالآخر اعترافاً فعلياً.ومن الضروري التأكيد على مسألة فعلياً بعيداً عن الشيء الشكلي والذي لا يحوي في باطنه كل الحقيقة.

وهذه مسألة مهمة وهي ليست مسألة طرف بعينه، إذ ليس لدى أي أحد رغبة في أن يتجاوز حزب البعث ،فحزب البعث حقيقة موضوعية قائمة نقبل بها ونقبل التعاون حتى في ظلها،وهذا أمر مُصرح به وموقعين جميعاً على ميثاق بذلك.

وتحدث نمر عن الدور الإيجابي الكبير جداً الذي لعبته الجبهة الوطنية التقدمية في بدايتها إذ أقرت بالتعددية،وسارت خطوات حثيثة نحو تكوين لغة مشتركة للأحزاب،وكان مقرراً لها أن تكون نواة تشع وتتوسع وتضم أحزاب وأشخاص جدد. وذلك كان الأمل، وأيضاً تعديل الميثاق نحو الأحسن.

خلاصة الحديث هو أن صرخة الأزمة يجب أن تحترم ويجب علينا  العمل بها  جميعاً وهذا الذي سيحصننا تجاه تصفية بقايا الإرهاب أو الحيلولة دون حدوث أزمات كبرى مستقبلاً.

هذه ورقة العمل التي أرسلها د. يحيى الناصح، وسيتم نشر باقي أوراق العمل لاحقاً:

بسم الله الرحمن الرحيم

عندما يطلق التساؤل عن مفهوم التقدم والتجديد في مجتمع من المجتمعات ؛ تنظر كل فئة من مقوماته كالأحزاب والهيئات وغير ذلك إلى مسيرتها خلال فترة معينة ، لتستفيد من تجاربها ، فتزيد من ضوابطها وتصوّب رؤيتها حسب واقع المستجدات..

أما التقدم والتجديد في مفهومنا الإسلامي فهو أن ننزع عن الإسلام ما ليس منه ، ونعود للتمسك بأصل ضوابطنا الشرعية من الكتاب والسنة ، والابتعاد عن التطرف والغلو اللذين أنكرتهما الشريعة السمحاء الوسطية..

والدليل الواقعي على ذلك هذه الحركات التكفيرية المجرمة القديمة الجديدة ، التي بدأت بالظهور في العقد الخامس من البعثة النبوية ، أي بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بثلاثين عاماً ، فتصدى لها الصحابة رضوان الله عليهم وأنكروها ، وبينوا أن فهم الكتاب والسنة لا يمكن أن يؤخذ إلا من الراسخين في العلم  . وما زالت تلك الحركات كداعش والنصرة ؛ تظهر بين الحين والآخر ، وتزعم أنها تريد العمل بالكتاب والسنة ، وهي بعيدة عنهما كل البعد.

أما مفهوم المجتمع والنهوض به تمشيا مع متطلبات العصر وأدواته التي جعلت العالم قرية صغيرة ، لها ما لها وعليها ما عليها من الإيجابيات والسلبيات ،  فإننا نجد أن الخطاب الديني تطور أيضا حسب الضوابط والأصول الشرعية التي يضعها العلماء الأجلاء، وهذا ما فعلته وزارة الأوقاف في هذه الأزمة من خلال مشاريعها وأهمها مشروع تطوير المناهج الشرعية ، والفريق الديني الشبابي ، ومشروع فضيلة ، ومناهج الخطب المنبرية …. وغيرها

أما مفهوم الدولة والتعايش فقد نظر الإسلام إليه بنظرة أشمل ، فالذي ذكر في القرآن مفهوم الأمة ، التي ينطوي تحتها ويستظل بظلها جميع أبنائها على اختلاف ألسنتهم وأديانهم وطوائفهم……..

Related posts

اللاجئون السوريون …. هروب من جحيم الحرب لغياهب المجهول

admin

admin

سورية :حربٌ للقضاء على دورها التاريخي والحضاري

admin

Leave a Comment