بدأ التدخل الأميركي في الأزمة السورية منذ اندلاعها، ومن جملة تدخلاتها التي بدأت بها الإدارة الأميركية كانت دعوة الرئيس السوري بشار الأسد إلى الاستقالة، ولم يتوقف التدخل الأميركي عند تقديم الدعم المالي والعسكري واللوجستي إلى الجماعات المسلحة والدعوة إلى عودة الجيش السوري إلى ثكناته، بل تعدى الأمر ذلك إلى التهديد بالتدخل العسكري المباشر والاعتداء على مواقع الجيش السوري بهدف جعل مهمة المجموعات المسلحة في إسقاط الحكومة السورية أسهل وأسرع. لكن الولايات المتحدة لم تُنفّذ أيّاً من تهديداتها بالتدخل المباشر. وحتى عندما قامت طائرات أميركية بالاعتداء المباشر على موقع للجيش السوري في دير الزور مؤخراً، أعلنت الولايات المتحدة أن ذلك كان حادثاً غير مقصود.
لم تكن سوريا في حالةٍ أقرب إلى استهدافها بعدوان أميركي – غربي مباشر كما كانت عليه بعد كارثة الهجوم الكيميائي في الغوطة في صيف العام 2013. حينها تصاعدت حدّةُ التهديدات وجدّيّتها ضد الحكومة السورية من قِبل أميركا وبريطانيا بشكل خاص، وبدأت “التحضيرات القانونية” في مجلس العموم البريطاني والكونغرس الأميركي بهدف إعطاء غطاء “مؤسساتي – ديموقراطي” للضربات الموعودة. لكن نتائج اجتماعات المجلسين في البلدين جاءت كما تشتهي سفن الرئيس الأميركي باراك أوباما، فقد رفض مجلس العموم البريطاني دعم مشروع قانون يُتيح توجيه ضربات عسكرية إلى الجيش السوري وبذلك خسرت الولايات المتحدة دعم حليفها الرئيسي حينذاك رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، وأيضاً رفض الكونغرس الأميركي لاحقاً مشروع قرار مماثل. فأوباما، وخلافاً لما كان يُصرّح به عن نيّته في “معاقبة النظام السوري” في حال تجاوزه “الخط الأحمر” الذي رسمه مراراً، لعلّه كان يتمنى رفض الكونغرس الأميركي السماحَ بشنّ هجمات عسكرية. وهذا ما يوحيه حديثٌ لوزير الخارجية الأميركي جون كيري، تم تسريبه الشهر الماضي، أمام مجموعة من الناشطين والمعارضين السوريين، فقد قال لهم كيري بكل وضوح إنه يُمثّل في الإدارة الأميركية أقلية مكونة من ثلاث شخصيات طالبت باستخدام القوة في سوريا ليس من ضمنها الرئيس أوباما. و “عليكم أن تقاتلوا من أجلنا ولكن لن نقاتل من أجلكم”.
فلماذا لم تهاجم الولايات المتحدة سوريا؟ يقول المفكر الأميركي نعوم تشومسكي عند سؤاله عن هذا الأمر، في منتصف العام 2012، إن “الولايات المتحدة تنأى بنفسها عن التدخل المباشر في الأزمة السورية متذرّعةً بالفيتو الروسي، وما من مصداقية لذلك، فلو أرادوا التدخل لن يهمهم ما سيقوله مجلس الأمن. وأعتقد أنهم سعداء جداً بالفيتو الروسي لأنه يُقدم لهم ذريعة للامتناع عن فعل أي شيء”.
صدر ما يشبه هذا الكلام عن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قبل نهاية العام 2012 بقليل، حيث عبر عن اعتقاده أن الدول الغربية غير مصمِّمة أو غير مصرّة على التدخل العسكري في سوريا. وأضاف قائلاً: “هناك إحساس بأنه ليس لدى أحد شهية في ما يتعلق بالتدخل الخارجي في سوريا، ولو كشَفْنا عن أحاسيس ما خلف الكواليس، فيتولّدُ انطباعٌ أحياناً أنهم يُصَلُّون من أجل استمرار روسيا والصين في عرقلة قرار التدخل الخارجي”. وقال لافروف إنه “بمجرد السماح، سيكون عليهم التصرف مباشرة وهنا لا يوجد أحد مستعد للتصرف”.
وأيضاً كشفت تسريبات “ويكيليكس” المتعلقة بالمرشحة الحالية للرئاسة الأميركية هيلاري كلينتون عن حديثٍ لها حول فرض منطقة حظر جوي في سوريا، كان كلامها ذاك بعد استقالتها من منصبها كوزيرة للخارجية، وفي معرض شرحها لصعوبة الأمر تحدثت عن “امتلاك الجيش السوري لأنظمة دفاع جوي متطورة، وعن حصول الجيش السوري على أنظمة أكثر تطوراً بفضل الدعم الروسي”. وهذا ما جعل الولايات المتحدة بحسب تشومسكي “تُقدم الأسلحة وأشكال دعم أخرى إلى المجموعات المسلحة، ولكن بشكلٍ لا يحدث فرقاً كبيراً، بسبب قلق الولايات المتحدة مما قد يأتي لاحقاً”. كلام تشومسكي هذا يتقاطع بشكل ما مع تسريب آخر من “ويكيليكس” يتعلق بما يدور في رأس هيلاري كلينتون حول الأزمة السورية والأطراف المتحاربة فيها “لندعهم يقتل بعضهم بعضاً حتى يتعبوا وحينئذ سنرى كيف سنتعامل مع من يصمدون حتى النهاية”.
كل ما تم ذكره كان سابقاً للانخراط العسكري الروسي في محاربة التنظيمات الإرهابية في سوريا، الذي بدأ منذ أكثر من عام، وتم تتويجه بالتصديق على اتفاقية بين دمشق وموسكو تسمح لروسيا باستخدام قاعدة حميميم الجوية في سوريا لأجلٍ غير مسمى. وأيضاً قبل وصول بطاريات صواريخ الدفاع الجوي الروسية “إس-400” و “إس-300” إلى سوريا.
إذن، إذا كانت الولايات المتحدة غير راغبة بالتدخل العسكري المباشر في سوريا خلال الفترة الطويلة السابقة للتواجد الروسي، فهل ستكون راغبة أو قادرة على ذلك بعده؟ هذا الأمر مستبعد إلى أقصى الحدود، على الرغم من التهديد الكلامي الأميركي والذي لا ينصَبُّ سوى في إطار الضغوط السياسية على دمشق وموسكو بهدف فرملة العمليات العسكرية في حلب، خاصة أن أوباما لن يرغب بتسليم دفّة قيادة بلاده وهي بحالة حرب مع الروس إلى المرشّحة التي يدعمها إن تكللت حملتها بالنجاح. ذلك بالإضافة إلى أن البيت الأبيض، وبشكل متزامن مع الإعلان عن بدء بحث كل الخيارات المتاحة أميركياً وبما فيها غير الديبلوماسية، أعلن أن “قرار جورج بوش في العراق قوّضَ سمعة أميركا، وأوباما لا ينوي تكرار ذلك في سوريا”.
لا يشير كل ذلك الى حرب أميركية على سوريا، أما موضوع سمعة أميركا فنتركه لكم وللتاريخ.